الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ فَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، بَلْ دَلِيلُكُمْ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لِلْفَاعِلِ، لَزِمَ أَلَّا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ. وَالطَّائِفَتَانِ جَمِيعًا أَصْلُ قَوْلِهِمَا الْكَلَامُ فِي الْحَرَكَةِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْحَرَكَةُ دَائِمَةً، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْحَرَكَةِ حَادِثًا عَنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ جِنْسُ الْحَرَكَةِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَحْدُثَ الْحَرَكَةُ لَا مِنْ حَرَكَةٍ. وَالزَّمَانُ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ، فَيَجِبُ قِدَمُ نَوْعِهِ. ثُمَّ قَالُوا: وَلَا حَرَكَةَ فَوْقَ حَرَكَةِ الْفَلَكِ وَلَا قَبْلَهَا إِلَّا مِقْدَارَ هَذِهِ الْحَرَكَةِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْحَرَكَةُ وَزَمَانُهَا أَزَلِيَّيْنِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَا حَرَكَةَ قَبْلَ حَرَكَةِ الْفَلَكِ وَلَا فَوْقَهَا؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ، وَنَفْيٌ لِمَا لَمْ تَعْلَمُوا نَفْيُهُ، وَتَكْذِيبٌ لِمَا لَمْ تُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيكُمْ تَأْوِيلُهُ؟ ثُمَّ قَوْلُكُمْ بِأَنَّهُ لَا حَرَكَةَ إِلَّا هَذِهِ الْحَرَكَاتُ، مَعَ أَنَّهُ لَا أَوَّلَ لَهَا وَلَا آخِرَ، وَهَذَا كَذَلِكَ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ. قَالُوا: فَالْجِسْمُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَحَرَّكَ حَرَكَةً لَا تَتَنَاهَى، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَرِسْطُو؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ يَنْقَسِمُ، فَتَكُونُ حَرَكَةُ الْجُزْءِ مِثْلَ حَرَكَةِ الْكُلِّ لَا تَتَنَاهَى، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مِثْلَ الْكُلِّ. قِيلَ لَهُمْ: بَلْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَرِسْطُو وَتَلَقَّيْتُمُوهُ بِالْقَبُولِ، يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَمَقْصُودِكُمْ. فَإِنَّ الْجِسْمَ إِذَا قَامَتْ بِهِ حَرَكَةٌ فَحَرَكَةُ مَجْمُوعِ الْجِسْمِ أَكْبَرُ مِنْ حَرَكَةِ بَعْضِهِ فِي الْمَكَانِ. وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، فَلَيْسَ حَرَكَةُ الْجُزْءِ مِثْلَ حَرَكَةِ الْكُلِّ، وَلَكِنَّ كِلَاهُمَا لَا يَتَنَاهَى فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا لَا يَتَنَاهَى بَعْضُهُ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ فِي الزَّمَانِ، وَمَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَكْبَرَ مِنْهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِكُمْ. لِأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ حَرَكَةَ الْمُحِيطِ أَعْظَمُ مِنَ الْحَرَكَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِفَلَكِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكِلَاهُمَا لَا يَتَنَاهَى. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِي حَرَكَةِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ قَوْلِكُمْ فِي حَرَكَةِ الْجِسْمَيْنِ، وَأَمَّا الْجِسْمُ الْوَاحِدُ فَإِنَّ قَوْلَكُمْ فِيهِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ يَتَبَعَّضُ، وَأَنَّ حَرَكَتَهُ مُتَبَعِّضَةٌ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَهُ يُسَاوِي كُلَّهُ فِي عَدَمِ النِّهَايَةِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، بَلْ هِيَ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَوَّلَ لَهَا وَلَا آخِرَ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ. وَيُقَالُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ: إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْمُحَرِّكِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحَرَكَةِ مِنْ مُحَرِّكٍ، فَهَذَا أَيْضًا مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ قَوْلَكُمْ: إِنَّ الْمُحَرِّكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّكَ شَيْئًا حَتَّى تَكُونَ الْحَرَكَةُ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ تَصِيرُ مُمْكِنَةً مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، فَتَنْقَلِبُ مِنَ الِامْتِنَاعِ إِلَى الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ سَبَبٍ أَصْلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى يُحْدِثَهُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ أَصْلًا. هَذَا هُوَ الَّذِي يُنَازِعُكُمْ فِيهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُهُمْ، وَيَقُولُونَ لَكُمْ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْدُورِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الشَّيْءِ تَسْتَلْزِمُ إِمْكَانَهُ، فَكُلُّ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لَا مُمْتَنِعًا. وَيَقُولُونَ: إِذَا قُلْتُمْ: لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ صَارَ قَادِرًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا، فَمَا الْمُوجِبُ لِهَذَا التَّجَدُّدِ وَالتَّغَيُّرِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: حَدَثَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ، كَانَ هَذَا أَعْجَبَ مِنْ قَوْلِكُمُ الْأَوَّلِ؛ إِذْ كَانَ الْقَادِرُ يَصِيرُ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ أَوْجَبَ قُدْرَتَهُ. وَإِنْ قُلْتُمْ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ: الْمَعْقُولُ مِنَ الْفَاعِلِ هُوَ الْمُحَصِّلُ لِلشَّيْءِ عَنْ عَدَمٍ، فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْأَزَلِ. قِيلَ لَكُمْ: إِنَّ الْفَاعِلَ لَا يَكُونُ فَاعِلًا حَتَّى يَحْصُلَ الشَّيْءُ عَنْ عَدَمِهِ، فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ نَفْسُهُ، أَوِ الْمَفْعُولُ نَفْسُهُ، قَدِيمًا. لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ عَدَمُ غَيْرِهِ؟ وَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فَاعِلًا لِهَذِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى لَا يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ فَاعِلًا أَصْلًا وَلَا يَكُونُ فَاعِلًا حَتَّى يَكُونَ جِنْسُ الْفِعْلِ مِنْهُ مَعْدُومًا بَلْ مُمْتَنِعًا؟ فَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْمَعْقُولِ، بَلِ الْمَعْقُولُ يُعْقَلُ أَنَّهُ حَصَّلَ الشَّيْءُ عَنْ عَدَمٍ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَحْصِيلِهِ حَصَلَ غَيْرُهُ عَنْ عَدَمٍ، وَهُمْ قَدْ يَقُولُونَ: كَانَ فِي الْأَوَّلِ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ، وَهَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ قَادِرًا لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ عِنْدَهُمْ. فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: كَانَ قَادِرًا حِينَ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَإِنَّ الْقَادِرَ إِنَّمَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى مَا يُمْكِنُهُ دُونَ مَا لَا يُمْكِنُهُ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ فِي الْأَزَلِ -وَهُوَ الْفِعْلُ الدَّائِمُ، أَيِ الَّذِي يَدُومُ جِنْسُهُ- غَيْرَ مُمْكِنٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا لَهُ، فَلَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَيْهِ. وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ لَعْنَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْمَنَابِرِ. وَيُقَالُ لَهُمْ: مَقْصُودُكُمُ الْأَوَّلُ نَصْرُ الْإِسْلَامِ وَالرَّدُّ عَلَى مُخَالِفِيهِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثْتُمُوهُ وَجَعَلْتُمُوهُ أَصْلَ دِينِ الْمُسْلِمِينَ. لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ أَزْمِنَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَعَلَ وَتَكَلَّمَ وَإِنَّهُ صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا، بَلِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، فَكَانَ مَا ابْتَدَعْتُمُوهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ مُخَالِفًا لِلسَّمْعِ وَالْعَقْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ صَارَ مِنْ تَقَلُّدِكُمْ يَنْقُلُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّ هَذَا قَوْلَهُمْ. وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا أَصْحَابِهِمْ، بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْهُمْ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، خِلَافُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَفْلَاكَ، أَوِ الْعُقُولَ، أَوِ النُّفُوسَ أَوْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. وَيُقَالُ: قَوْلُ الْقَائِلِ: الْفَاعِلُ هُوَ الْمُحَصِّلُ لِلشَّيْءِ عَنْ عَدَمٍ، أَتُرِيدُ بِهِ الْفَاعِلَ لِلشَّيْءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَاعِلًا لَهُ إِلَّا إِذَا حَصَّلَهُ عَنْ عَدَمٍ؟ أَمْ تُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْفَاعِلُ فِي نَفْسِهِ فَاعِلًا لِشَيْءٍ حَتَّى تَكُونَ فَاعِلِيَّتُهُ مُمْتَنِعَةٌ، ثُمَّ صَارَتْ مُمْكِنَةً؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ. وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَسَبَبُ ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَنَوْعِهِ. فَإِذَا لَمْ يُعْقَلْ فَاعِلٌ لِمَعْنًى إِلَّا بَعْدَ عَدَمِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَلَّا يُعْقَلَ كَوْنُ الْفَاعِلِ فَاعِلًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، بَلِ الْعَقْلُ لَا يَعْقِلُ حُدُوثَ فَاعِلِيَّةٍ بِلَا سَبَبٍ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية