الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ وَفِعْلٌ، وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ قَادِرٌ مُخْتَارٌ، وَهُوَ لَا يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ. وَالرَّازِيُّ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَيُثْبِتُ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً وَدَاعِيًا، وَأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْفِعْلِ. فَهَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ مِنَ الْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ خَالَفُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي الْقَدَرِ، فَهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْأَصْلِ الَّذِي بَنَى أُولَئِكَ قَوْلَهُمْ فِي الْقَدَرِ عَلَيْهِ، وَهُمْ يُنَاظِرُونَ الْفَلَاسِفَةَ الْقَائِلِينَ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ، وَأَهْلَ الطَّبْعِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ فَاعِلَ الْعَالَمِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشَدُّ فَسَادًا، فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لِحَوَادِثِ الْعَالَمِ مُحْدِثٌ، كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِفِعْلِ الْحَيَوَانِ مُحْدِثٌ، فَمَا قَالَهُ الْقَدَرِيَّةُ فِي فِعْلِ الْحَيَوَانِ، قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِي جَمِيعِ حَوَادِثِ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْمُسْتَلْزَمَةَ لِمَعْلُولِهَا لَا يَصْدُرُ عَنْهَا حَادِثٌ لَا بِوَسَطٍ وَلَا بِغَيْرٍ وَسَطٍ. فَهَؤُلَاءِ شَبَّهُوا فِعْلَهُ بِفِعْلِ الْجَمَادَاتِ، مَعَ تَنَاقُضِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ فِي مَا جَعَلُوهُ فِعْلَ الْجَمَادَاتِ. وَالْقَدَرِيَّةُ شَبَّهُوا فِعْلَهُ بِفِعْلِ الْحَيَوَانَاتِ، مَعَ تَنَاقُضِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ فِيمَا جَعَلُوهُ فِعْلَ الْحَيَوَانَاتِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، مِنَ الْكُلَّابِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، يُخَالِفُونَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَفِي بَعْضِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُخَصِّصَ هُوَ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي نِسْبَتُهَا إِلَى جَمِيعِ الْمُرَادَاتِ سَوَاءً، وَقَالُوا: إِنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِرَادَةِ أَنْ تُخَصِّصَ أَحَدَ الْمِثْلَيْنِ عَنِ الْآخَرِ بِلَا سَبَبٍ؛ وَلِهَذَا بَنَوْا أُصُولَهُمْ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِأَحَدِ الْوَقْتَيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ كَلَامُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَمْثَالِهِ أَحْذَقُ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَنْقَصُ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ جَعْلُ نَفْسِ وُجُودِ الْحُدُوثِ بَدَلًا عَنِ الْعَدَمِ، مَعَ جَوَازِ أَنْ لَا يَحْدُثَ، دَلِيلًا عَلَى الْمُقْتَضِي لِحُدُوثِهِ، كَلَامُهُ أَرْجَحُ مِنْ كَلَامِ مَنْ جَعَلَ الدَّلِيلَ هُوَ التَّخْصِيصَ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَإِنَّ نَفْسَ الْحُدُوثِ فِيهِ مِنَ التَّخْصِيصِ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ نِسْبَةِ الْحَادِثِ إِلَى الْأَوْقَاتِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ أَنْقَصَ، فَإِنَّهُ مُتَنَاقِصٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَدَثَ مَعَ وُجُوبِ أَنْ يَحْدُثَ، لَمْ يَكُنْ بِأَنْ يَحْدُثَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ قَبْلُ، فَلَا يَسْتَقِرُّ حُدُوثُهُ عَلَى حَالٍ، إِذَا كَانَ حُدُوثُهُ وَاجِبًا، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ أَنَّ نَفْسَ الْحُدُوثِ يَسْتَلْزِمُ الْمُحْدِثَ. وَلَوْ قُدِّرَ وَاجِبًا، يُقَالُ لَهُ: إِذَا قَدَّرْتَ الْحُدُوثَ وَاجِبًا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُهُ فِي حَالٍ أَوْلَى مِنْهُ فِي حَالٍ أُخْرَى، وَيَكُونُ وَاجِبًا فِي تِلْكَ الْحَالِ دُونَ غَيْرِهَا؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ الْأَحْوَالَ مُسْتَوِيَةٌ. قِيلَ لَهُ: الْأَحْوَالُ مُسْتَوِيَةٌ سَوَاءً قُدِّرَ أَنَّ الْحُدُوثَ وَاجِبٌ أَوْ جَائِزٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُخَصِّصٍ سَوَاءً قُدِّرَ الْحُدُوثِ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا. وَإِنْ قَالَ: إِنَّ الْوَاجِبَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، بِخِلَافِ الْجَائِزِ. قِيلَ: هَذَا حَقٌّ فِيمَا وَجَبَ بِنَفْسِهِ. لَكِنْ لَيْسَ الْعِلْمُ بِهِ بِأَبْيَنَ مِنَ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْحَادِثِ لَا يَحْدُثُ بِنَفْسِهِ. بَلْ يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى مَزِيدِ بَيَانٍ وَإِيضَاحٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ بِأَنَّ الْقَدِيمَ وَاجِبُ الْوُجُودِ فِي كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَزَلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلَى طَرِيقِ الْجَوَازِ، وَلَا بِالْفِعْلِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَلَمْ يُقَرِّرْ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية