الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيقِ الْعَقْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ، تَكَلَّمَ أَيْضًا عَلَى إِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ. فَقَالَ: الْقَوْلُ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ: فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ، فَمَا طَرِيقَةُ مَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا، وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّ هَذَا النَّفْيَ هُوَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْإِيجَابِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَالْإِيجَابُ قَدْ ثَبَتَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَبِمَاذَا يَصِحُّ النَّفْيُ؟ قُلْنَا: أَمَّا نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّ طَرِيقَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ هِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ. وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ: إِحْدَاهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [سُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ: 22]. وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ: 91]. وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [سُورَةَ الْإِسْرَاءِ: 42]. فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَدَلَالَتُهَا مَغْرُوزَةٌ فِي الْفِطَرِ بِالطَّبْعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَلِكَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلُهُ فِعْلُ صَاحِبِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ تَدْبِيرِهِمَا مَدِينَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ عَنْ فَاعِلَيْنِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فِعْلٌ وَاحِدٌ، فَيَجِبُ ضَرُورَةً إِنْ فَعَلَا مَعًا أَنْ تَفْسُدَ الْمَدِينَةُ الْوَاحِدَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَفْعَلُ وَيَبْقَى الْآخَرُ عَطِلًا، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ فِعْلَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَسَدُّ الْمَحَلِّ ضَرُورَةٌ، أَوْ تَمَانَعَ الْفِعْلُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [سُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ: 22].

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية