الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا الْبُرْهَانُ الثَّانِي: وَهُوَ لُزُومُ عُلُوِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَذَلِكَ بِمَنْعِ إِلَهِيَّةِ الْمَغْلُوبِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقْدِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى عَيْنِ مَقْدُورِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا يَقْدِرُ الْآخَرُ أَنْ يَفْعَلَهُ، مَعَ كَوْنِهِ فِعْلَ الْأَوَّلِ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَقْدِرُ إِلَّا إِذَا مَكَّنَهُ الْآخَرُ وَأَقْدَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَادِرًا، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُوجَدَ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ، لَا بِطْرِيقِ اسْتِقْلَالٍ أَحَدِهِمَا، وَلَا بِطْرِيقِ اشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَادِرًا. وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْعَ الْآخَرِ مِنَ الْفِعْلِ، لَزِمَ امْتِنَاعُ الْفِعْلِ، وَانْتِفَاءُ الْقُدْرَةِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآخَرُ؛ إِذْ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ. وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآخَرُ، لَمْ تَكُنْ قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِ، فَإِنَّ الْمِثْلَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الْآخَرِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ. وَإِذَا امْتَنَعَ تَمَاثُلُ الْقُدْرَتَيْنِ، وَجَبَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا أَقْدَرَ مِنَ الْآخَرِ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَقْدَرُ الْأَقْوَى يَغْلِبُ الْأَضْعَفَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ: 91]. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَوْرَدُوا هُنَا سُؤَالًا مَعْرُوفًا، أَوْرَدَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَا جَوَابَ عَنْهُ. وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْعَلَ الْآخَرُ مَعَهُ. وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الْقُدْرَةِ كَمَا يَكُونُ هُوَ قَادِرًا عَلَى أَحَدِ الضِّدَّيْنِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْآخَرِ. فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ، فَالْقُدْرَةُ عَلَى فِعْلِ أَحَدِهِمَا يُنَافِي الْقُدْرَةَ عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ مَعَهُ، وَلَا يُنَافِي الْقُدْرَةَ عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ حَالَ عَدَمِهِ. بَلْ كُلٌّ مِنَ الضِّدَّيْنِ مَقْدُورٌ بِشَرْطِ عَدَمِ الْآخَرِ، وَهُوَ مَقْدُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْقَادِرَيْنِ: كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ، حَالَ عَدَمِ قُدْرَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ. قِيلَ: هَذَا تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الضِّدَّيْنِ يَفْعَلُ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَشِيئَتِهِ. وَإِذَا فَعَلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ، لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ إِنِ اخْتَارَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْقُدْرَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الْفَاعِلَ لِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ يَخْتَارُ هَذَا دُونَ ذَاكَ، فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهُ، لَا لِأَنَّ غَيْرَهُ مَنَعَهُ مِنْهُ. وَلَا أَنَّ قُدْرَتَهُ عَاجِزَةٌ عَنْهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهُ، بِخِلَافِ الْقَادِرِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إِلَّا إِذَا أَمْكَنَهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُ، وَلَوْ أَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ، لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ غَيْرَ قَادِرٍ حَتَّى يُمَكِّنَهُ الْآخَرُ، وَيَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْخَالِقَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، لَا بِقُدْرَةٍ اسْتَفَادَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ آخَرُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْدِرَ أَنْ يَفْعَلَ وَحْدَهُ مَفْعُولًا لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ إِنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، بَلْ كَانَ تَمَامُ قُدْرَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَهُ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا بِإِعَانَةِ الْآخَرِ، فَإِنَّ هَذَا بِدُونِ إِعَانَةِ الْآخَرِ لَيْسَ بِقَادِرٍ، وَهَذَا بِدُونِ إِعَانَةِ الْآخَرِ لَيْسَ بِقَادِرٍ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَادِرًا بِنَفْسِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا بِنَفْسِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُجْعَلَ غَيْرُهُ قَادِرًا، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَادِرُ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، امْتَنَعَ أَنْ يُجْعَلَ غَيْرُهُ قَادِرًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ فِي الْوُجُودِ مَنْ هُوَ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْفِعْلِ، فَيَفْعَلُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ وَمُعِينٍ، لَمْ يَكُنْ فِي الْوُجُودِ حَادِثٌ؛ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحَوَادِثِ بِدُونِ الْقَادِرِ بِنَفْسِهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية