الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: جَوَابُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الشَّيْءَ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ عَلِمَهُ مَعْدُومًا، وَأَنَّ هَذَا الثَّانِيَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَمْ يَحْصُلِ الْمَعْلُومُ وَالْعِلْمُ الثَّانِي إِلَّا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَمَا اسْتَفَادَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا كَمُلَ بِغَيْرِ نَفْسِهِ. وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْأَزَلِ، وَوُجُودُهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ أَكْمَلُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِهِ، فَوُجُودُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ هُوَ غَايَةُ الْكَمَالِ، وَعَدَمُ هَذَا الْكَمَالِ هُوَ النَّقْصُ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ كَمَالٌ مُمْكِنُ الْوُجُودِ لَا نَقْصَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا لَهُ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَهُ، لَكَانَ: إِمَّا مُمْتَنِعًا -وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ- أَوْ مُمْكِنًا، وَحِينَئِذٍ فَالْمُقْتَضَى لَهُ هُوَ ذَاتُهُ بِلَوَازِمِهَا، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَيَجِبُ وُجُودُهُ، وَإِلَّا فَيَكُونُ مُمْتَنِعًا. وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ. وَبِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يَزُولُ مَا يُقْدَحُ بِهِ فِي كَلَامِ أَبِي الْبَرَكَاتِ، حَيْثُ جَعَلَ الْعَقْلَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ كَمَالًا، وَإِنَّمَا الْكَمَالُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْكَمَالَ إِلَّا فِي عَقْلِ الْأَفْضَلِ لَا الْأَدْنَى، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا نَازَعَ فِيهِ. وَيُقَالُ: مَا كَانَ كَمَالًا، إِذَا كَانَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ إِذَا صَارَ بِالْفِعْلِ أَكْمَلُ وَأَكْمَلُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْعَقْلِ لِلْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ كَمَالًا؟ وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْقُوَّةِ فِي الْفِعْلِ، وَنَفْسُ فِعْلِهَا وَعَقْلِهَا كَمَالًا؟ وَلَكِنْ يُقَالُ: مَا كَانَ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ أَزَلِيًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ إِلَّا حَادِثًا، لَيْسَ الْكَمَالُ إِلَّا فِي إِحْدَاثِهِ، لَا فِي فِعْلِهِ فِي الْأَزَلِ، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ عِلْمَهُ مَوْجُودٌ لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ، كَانَ أَنْ يُعْلَمَ مَوْجُودًا بَعْدَ وُجُودِهِ، أَكْمَلَ مِنْ أَنْ لَا يُعْلَمَ مَوْجُودًا، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ سَيُوجَدُ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْبَرَكَاتِ: (مَا كَمُلَ بِفِعْلِهِ وَعَقْلِهِ، بَلْ فَعَلَ وَعَقَلَ بِكَمَالِهِ) فَهُوَ صَحِيحٌ، إِذَا أُرِيدَ بِالْكَمَالِ مَا هُوَ أَزَلِيٌّ لِلذَّاتِ، لَا يُمْكِنُ تَجَدُّدُ شَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، كَمَا لَا يَتَجَدَّدُ نَوْعُهُ. وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْكَمَالِ مَا يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنَ الْكَمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُ. فَيُقَالُ: كَمَالُهُ بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ، وَنَفْسُهُ تَتَضَمَّنُ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَلَمْ يَكْمُلْ بِشَيْءٍ مُبَايِنٍ لَهُ. وَمَا كَانَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى اسْمِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُبَايِنًا لَهُ، وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُغَايِرٌ لَهُ. وَحِينَئِذٍ فَكَمَالُهُ بِذَلِكَ مِثْلُ كَمَالِهِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ، وَمَا كَانَ حُدُوثُهُ حَيْثُ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ حُدُوثُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُمْكِنِ، فَهُوَ كَمَالٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَا كَمَالٌ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا حَصَلَ بِنَفْسِهِ وَلَهَا، لَمْ يَحْصُلْ بِغَيْرِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: لَوْ عَقَلَ لَكَمُلَ بِهِ. يُقَالُ: إِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ: كَمُلَ بِهِ، أَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرٍ أَعْطَاهُ الْكَمَالَ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ الْغَيْرُ لَمَا وُجِدَ الْعِلْمُ بِهِ، فَيُقَالُ: نَعِمَ. وَهَذَا لَا يَضُرُّ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ ذَلِكَ الْغَيْرَ، وَبِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وُجِدَ هُوَ وَلَوَازِمُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَا حَصَلَ لَهُ حَاصِلًا إِلَّا بِهِ وَحْدَهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، لَكَانَ أَنْ يَعْلَمَهُ أَكْمَلَ مِنْ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ. الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِالْغَيْرِ مَشْرُوطًا بِالْغَيْرِ، وَلَوْلَا الْغَيْرُ لَمَا حَصَلَ، وَالْغَيْرُ حَاصِلٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَوُجُودُ الْغَيْرِ -مَعَ فَوْتِ الْكَمَالِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ- هُوَ النَّقْصُ؛ إِذِ النَّقْصُ هُوَ فَوْتُ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، لَا مَا لَا يُمْكِنُ، وَالْعِلْمُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْعِلْمُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٌ، فَوُجُودُ هَذَا كَمَالٌ، وَعَدَمُهُ نَقْصٌ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية