الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        فرع ثالث

                        في تعارض الجرح والتعديل ، وعدم إمكان الجمع بينهما

                        وفيه أقوال :

                        الأول : أن الجرح مقدم على التعديل ، وإن كان المعدلون أكثر من الجارحين ، وبه قال الجمهور ، كما نقله عنهم الخطيب والباجي ونقل القاضي فيه الإجماع ، قال الرازي والآمدي وابن الصلاح : إنه الصحيح ; لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل ، قال ابن دقيق العيد : وهذا إنما يصح على قول من قال إن الجرح لا يقبل إلا مفسرا ، وقد استثنى أصحاب الشافعي من هذا ما إذا جرحه بمعصية ، وشهد الآخر أنه قد تاب منها ، فإنه يقدم في هذه الصورة التعديل ، لأن معه زيادة علم .

                        القول الثاني : أنه يقدم التعديل على الجرح ; لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا ، والمعدل إذا كان عدلا لا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله جرحا ، حكى هذا الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ، ولا بد من تقييد هذا القول بالجرح المجمل ، إذ لو كان الجرح مفسرا لم يتم ما علل به أن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا إلخ .

                        القول الثالث : أنه يقدم الأكثر من الجارحين والمعدلين . قال في المحصول : وعدد المعدل إذا زاد قيل إنه يقدم على الجارح ، وهو ضعيف ; لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على زيادة ، ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد .

                        القول الرابع : أنهما يتعارضان ، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح ، حكى هذا القول ابن الحاجب ، وقد جعل القاضي في التقريب محل الخلاف فيما إذا كان عدد المعدلين أكثر ، فإن استووا قدم الجرح بالإجماع ، وكذا قال الخطيب في الكفاية [ ص: 224 ] وأبو الحسين بن القطان وأبو الوليد الباجي وخالفهم أبو نصر القشيري ، فقال : محل الخلاف فيما إذا استوى عدد المعدلين والجارحين ، قال : فإن كثر عدد المعدلين ، وقل عدد الجارحين ، فقيل : العدالة في هذه الصورة أولى . انتهى .

                        والحق الحقيق بالقبول ، أن ذلك محل اجتهاد للمجتهد ، وقد قدمنا أن الراجح أنه لا بد من التفسير في الجرح والتعديل ، فإذا فسر الجارح ما جرح به ، والمعدل ما عدل به ، لم يخف على المجتهد الراجح منهما من المرجوح ، وأما على القول بقبول الجرح والتعديل المجملين من عارف ، فالجرح مقدم على التعديل ; لأن الجارح لا يمكن أن يستند في جرحه إلى ظاهر الحال ، بخلاف المعدل فقد يستند إلى ظاهر الحال ، وأيضا حديث من تعارض فيه الجرح والتعديل المجملان قد دخله الاحتمال فلا يقبل .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية