الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        المسألة الحادية عشرة : في الألفاظ الدالة على الجمع

                        الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على أقسام :

                        الأول : ما يختص به أحدهما ، ولا يطلق على الآخر بحال ، كرجال للمذكر ونساء للمؤنث ، فلا يدخل أحدهما في الآخر بالإجماع إلا بدليل خارج من قياس أو غيره .

                        الثاني : ما يعم الفريقين بوضعه ، وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل كالناس ، والإنس ، والبشر ، فيدخل فيه كل منهما بالإجماع .

                        [ ص: 371 ] الثالث : ما يشملهما بأصل وضعه ، ولا يخص بأحدهما إلا ببيان ، وذلك نحو ما ومن ، فقيل : إنه لا يدخل فيه النساء إلا بدليل ، ولا وجه لذلك ، بل الظاهر أنه مثل الناس والبشر ونحوهما ، كما في قوله سبحانه وتعالى ، ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ) فلولا عمومه لهما لم يحسن التقسيم من بعد ذلك .

                        وممن حكى الخلاف في هذه الصورة من الأصوليين أبو الحسين في المعتمد ، وإلكيا الهراس في التلويح ، وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية ، وأنهم لأجل ذلك قالوا أن المرتدة لا تقتل ، لعدم دخولها في قوله صلى الله عليه وآله وسلم من بدل دينه فاقتلوه ، لكن الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع ، وصرح به البزدوي ، وشراح كتابه ، وابن الساعاتي ، وغيرهم إذ نقل الرازي في المحصول الإجماع على أنه لو قال : من دخل داري من أرقائي فهو حر ، دخل فيه الإماء ، وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصية أو توكيلا أو إذنا في أمر لم يختص بالذكر .

                        وأما إمام الحرمين الجويني فخص الخلاف بما إذا كانت شرطية ، قال الصفي الهندي ، والظاهر أنه لا فرق بينهما ، وبين " من " الموصولة والاستفهامية ، وأن الخلاف جار في الجميع . انتهى .

                        ولا يخفاك أن دعوى اختصاص " من " بالذكور لا ينبغي أن ينسب إلى من يعرف لغة العرب ، بل لا ينبغي أن ينسب إلى من له أدنى فهم .

                        الرابع : ما يستعمل بعلامة التأنيث في المؤنث ، وبحذفها في المذكر ، وذلك الجمع السالم نحو مسلمين للذكور ، ومسلمات للإناث ، ونحو فعلوا وفعلن ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل النساء فيما هو للذكور ، إلا بدليل ، كما لا يدخل الرجال فيما هو للنساء إلا بدليل .

                        قال القفال : وأصل هذا أن الأسماء وضعت للدلالة على المسمى ، فحصل كل نوع بما يميزه ، فالألف والتاء جعلتا علما لجمع الإناث ، والواو والياء والنون لجمع الذكور ، والمؤمنات غير المؤمنين ، وقاتلوا خلاف قاتلن ، ثم قد تقوم قرائن تقتضي استواءهما فيعلم بذلك دخول الإناث في الذكور ، وقد لا تقوم قرائن فيلحقن بالذكور بالاعتبار ، [ ص: 372 ] والدلائل ، كما يلحق المسكوت عنه بالمذكور بدليل .

                        ومما يدل على هذا إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر ، فلولا أن التسمية للمذكر لم يكن هو الغالب ، ولم يكن حظه فيها كحظ المؤنث ، ولكن معناه أنهما إذا اجتمعا استقل إفراد كل منهما بوصف فغلب المذكر ، وجعل الحكم له فدل على أن المقصود هو الرجال ، والنساء توابع . انتهى .

                        قال الأستاذ أبو المنصور وسليم الرازي : وهذا قول أصحابنا ، واختاره القاضي أبو الطيب ، وابن السمعاني ، وإلكيا الهراس ، ونصره ابن برهان ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، ونقله عن معظم الفقهاء ، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة ، وذهبت الحنفية كما حكاه عنهم سليم الرازي ، وابن السمعاني ، وابن الساعاتي إلى أنه يتناول الذكور والإناث ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي حنيفة ، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد ، وروي نحوه عن الحنابلة والظاهرية .

                        والحق ما ذهب إليه الجمهور من عدم التناول إلا على طريقة التغليب عند قيام المقتضي لذلك ، لاختصاص الصيغة لغة ، ووقوع التصريح بما يختص بالنساء مع ما يختص بالرجال في نحو : إن المسلمين والمسلمات ، وقد ثبت في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال فنزلت .

                        قال الإبياري لا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال ، وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى تناوله الجنسين ; لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور .

                        قال الزركشي في البحر : وحاصله الإجماع على عدم الدخول حقيقة ، وإنما النزاع [ ص: 373 ] في ظهوره لاشتهاره عرفا .

                        قال الصفي الهندي : وكلام إمام الحرمين يشعر بتخصيص الخلاف بالخطابات الواردة من الشرع لقرينة عليه ، وهي المشاركات في الأحكام الشرعية ، قال : واتفق الكل أن المذكر لا يدخل تحته إن ورد مقترنا بعلامة التأنيث .

                        ومن أقوى ما احتج به القائلون بالتعميم : إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر ، وعلى هذا ورد قوله تعالى : قلنا اهبطوا منها جميعا في خطاب آدم ، وحواء ، وإبليس .

                        ويجاب على هذا بأنه لم يكن ذلك بأصل الوضع ، ولا بمقتضى اللغة ، بل بطريق التغليب ، لقيام الدليل عليه ، وذلك خارج عن محل النزاع ، ولا يلزم من صحة إرادة الشيء من الشيء إرادته منه إذا ورد مطلقا بغير قرينة ، ولم يذكر أحد من أهل اللغة ، ولا من علماء العربية أن صيغة الذكور عند إطلاقها موضوعة لتناول الجمع ، وهذا ظاهر واضح ، لا ينبغي الخلاف في مثله ، ولم يأت القائلون بالتناول بدليل يدل على ما قالوه ، لا من جهة اللغة ، ولا من جهة الشرع ، ولا من جهة العقل .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية