الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        وقد قال بها جماعة من أهل العلم ، فمن الحنفية أبو يوسف ، ومن الشافعية المزني ، وابن أبي هريرة ، وحكى ذلك الباجي عن بعض المالكية ، قال : ورأيت ابن نصر يستعملها كثيرا .

                        ومن ذلك استدلال مالك على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال : فقرن بين الخيل والبغال والحمير ، والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا ، فكذلك الخيل .

                        وأنكر دلالة الاقتران الجمهور فقالوا : إن الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم .

                        واحتج المثبتون لها بأن العطف يقتضي المشاركة .

                        وأجاب الجمهور : بأن الشركة إنما تكون في المتعاطفات الناقصة ، المحتاجة إلى ما تتم به ، فإذا تمت بنفسها ; فلا مشاركة ، كما في قوله تعالى : [ ص: 708 ] محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار فإن الجملة الثانية معطوفة على الأولى ، ولا تشاركها في الرسالة ، ونحو ذلك كثير في الكتاب والسنة . والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ، ولا يشاركه غيره فيه ، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي ، ولا نزاع فيما كان كذلك ، ولكن الدلالة فيه ليست للاقتران ، بل للدليل الخارجي ، أما إذا كان المعطوف ناقصا ، بأن لا يذكر خبره ، كقول القائل : فلانة طالق وفلانة ، فلا خلاف في المشاركة ، ومثله عطف المفردات ، وإذا كان بينهما مشاركة في العلة ، فالتشارك في الحكم إنما كان لأجلها ، لأجل الاقتران .

                        وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله .

                        قال البيهقي : قال الشافعي : الوجوب أشبه بظاهر القرآن ; لأنه قرنها بالحج انتهى .

                        قال القاضي أبو الطيب : قول ابن عباس : إنها لقرينتها ، إنما أراد أنها قرينة الحج في الأمر وهو قوله : وأتموا الحج والعمرة لله والأمر يقتضي الوجوب ، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران .

                        وقال الصيرفي في شرح الرسالة : في حديث أبي سعيد " غسل الجمعة على كل محتلم ، والسواك ، وأن يمس الطيب " فيه دلالة على أن الغسل غير واجب ; لأنه قرنه بالسواك ، والطيب ، وهما غير واجبين بالاتفاق .

                        والمروي عن الحنفية ، كما حكاه الزركشي عنهم في البحر أنها إذا عطفت جملة على جملة ، فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم ، لا في جميع صفاته ، وقد لا تقتضي المشاركة أصلا ، وهي التي تسمى " واو الاستئناف " كقوله تعالى : فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل فإن قوله : ويمح الله الباطل [ ص: 709 ] جملة مستأنفة ، لا تعلق لها بما قبلها ، ولا هي داخلة في جواب الشرط .

                        وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه ، قال : وعلى هذا بنوا بحثهم المشهور في قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : لا يقتل مسلم بكافر وقد سبق الكلام فيه .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية