الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
الفصل الثالث

التراث ومسئولية الجامعات في العالم الإسلامي

إن العالم الإسلامي إذا حافظ على هـويته عن طريق التعليم والتربية الإسلامية، فإنه يستطيع أن يقدم لعالم اليوم الخير الكثير؛ لأنه يحمل الهداية للبشرية التي تمكن للأمن والطمأنينة داخل " النفس " و " المجتمع " وهو أمر لازم للإحساس بالسعادة أكثر من الرفاهية والتيسير الذي تحققه " التكنولوجيا " المعاصرة، والتي لو اتحدت مع الإسلام فإنها تحقق المجتمع السعيد الذي يكفل لأفراده الفلاح في الدنيا والآخرة، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بعد جهد كبير تبذله الجامعات في مجتمعنا أولا من أجل الوصول إلى التوعية الشاملة بالإسلام، والوصول إلى هـيمنته على أهداف التعليم ومناهجه وطبعها بطابعه المتميز.. [ ص: 95 ]

فالجامعات تؤدي - في العصر الحديث - دورا كبيرا في نشر الوعي العام، وتكوين قيادات المستقبل، وقد نشأت معظم الجامعات في العالم العربي والإسلامي على أسس علمانية وذلك بحكم تسلط القوى الاستعمارية على العالم الإسلامي وقت تكوينها، فتطبعت بطابع الحضارة الغربية، وتولت شئونها قيادات تخرجت في الجامعات الغربية، ورضعت لبان العلمانية والأفكار الغربية حتى تشبعت بها، لذلك لم يكن للإسلام دور هـام في صياغة مناهج التعليم، لا في وضع أهداف التعليم الجامعي، بل إن اسم الإسلام قد لا يرد في لوائح هـذه الجامعات فضلا عن أن يكون محورا للأهداف أو أساسا للمناهج.

ولقد استهدف التعليم العلماني في العالم الإسلامي إنشاء أجيال المسلمين في أحضان هـذه الجامعات منسلخة عن الإسلام، جاهلة به، تسخر من الإسلام وتعاديه دون أن تعرف عنه وعن رجالاته الكثير ولا القليل؛ فهي متعلقة برجال الفكر في التاريخ الأوربي من " أرسطو وأفلاطون " إلى " رسل وسارتر " ، معظمة لقادة الفتوح السياسية الغربيين من " هـانيبال " إلى " نابليون بونابرت " إلى " جورج واشنطون " ، أمثلتها في الحياة : أشخاص لم ينطقوا بلغتنا، ولم يعيشوا فوق أرضنا، ومع ذلك فهي تعرف الكثير عنهم بقدر ما تجهل عن نفسها وماضيها وتراثها ورجال تاريخها... تلك هـي الثمرة المسمومة للمناهج التي سعت إلى وضع الحواجز السميكة بيننا وبين ماضينا، وذلك خوفا من عودتنا إلى الإسلام الذي إذا درسنا ماضينا درسناه، وإذا اندرس [ ص: 96 ] ماضينا اندرس معه، ولكن :

( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) ( التوبة : 32) .

لقد كان الإسلام في أذهان قادة التعليم العلماني عائقا دون التقدم الحضاري الذي وصل إليه الغرب، فكما أن الغرب لم يبلغ هـدفه إ بعد صراع عنيف مع النصرانية تمكن في نهايته من حصرها داخل جدران الكنيسة وإبعادها عن التعليم والمجتمع والحكم، فإن الشرق الإسلامي لن يتمكن من النهضة - في رأيهم - إلا بحصر الإسلام داخل جدران المسجد إذا يتم الإجهاز عليه نهائيا، وبذلك ينفتح الطريق أما التقدم والتحضر !!!

لقد تناسى هـؤلاء حقائق هـامة تتمثل في أن الماضي الذي يريدون عزل الأجيال عنه يمثل فترة الازهار الحضاري علما وعمرانا وقوة جعلت المسلمين في الصدارة بين العالمين، وأن الارتباط بمثل هـذا الماضي الزاهر خير حافز للتقدم والنهضة في عصرنا الحاضر، بينما الانقطاع عن ماضي العصور الوسطى في أوروبا يمثل انقطاعا عن التخلف والهمجية والظلام.

وتناسوا أيضا أن الأصل في النصرانية تنظيم العلاقة بين العبد والرب، أن تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فحصرها بين جدران الكنيسة عودة بها إلى طبيعته ونطاقها.

بينما الأصل في الإسلام شمول العبادات والمعاملات والسياسة [ ص: 97 ] الشرعية في الداخل والخارج، فحصره بين جدران المسجد قضاء عليه وإخلال بأركانه وأحكامه، وخروج به عن طبيعته في تنظيم شئون الحياة.

وتناسوا أيضا الفرق بين الإسلام والنصرانية المحرفة ؛ حيث إن الإسلام لا يعيق التقدم العملي بل يدعمه، ويجل العلوم والصناعات من فروض الكفاية، بينما كانت النصرانية المحرفة تقف أمام جهود العلماء، وتمنعهم من إعلان الحقائق العلمية، وتضطهدهم وتحرق كتبهم وتحرمهم من بركاتها.

وتناسوا أيضا أن حركات المقاومة للاستعمار انطلقت في مطلع هـذا القرن من داخل المساجد وتحت شعار " الله أكبر " ، وأن أعظم القوى المعنوية المؤثرة في جماهيرنا، والدافعة إلى البذل والتضحية تتمثل في الإسلام، وأن حرمان الأمة من الإسلام يفقدها قوة روحية ضخمة كانت دائما سندها في المحن التاريخية منذ مواجهة القوى الصليبية حتى مواجهة القوى الاستعمارية الجديدة.

وتناسوا أيضا أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة ترتكز في أعرافها وتقاليدها وقيمها وأخلاقياتها وأنماطها السلوكية على " الإسلام " وأنه يهيمن على ذلك كله بمستويات متباينة، تبعا لقوة التصادق الجماهير به وتأثرها بتعاليمه، وأن تماسك هـذه المجتمعات القائم على الإسلام سوف ينهار عندما ينحسر الإسلام عن التربية والتعليم بعد انحساره عن الحكم [ ص: 98 ] والسياسة وشئون المال.

وسوف يترك غياب الإسلام فراغا هـائلا في الحياة الخلقية والروحية، ولن تتمكن قيم التربية الغربية الطارئة من سد هـذا الفراغ حتى لو كانت تمتلك المقومات اللازمة إلا بعد زمن طويل .... مع أن هـذه المقومات تحتاج إلى فحص واختبار على ضوء واقع المجتمعات الغربية المعاصرة، فإذا كانت قد عجزت في بناء المجتمعات المستقرة السعيدة في الوسط الذي نمت فيه، وتأثرت في بناء مفاهيمها وأهدافها ووسائلها بمزاجه وسلوكياته وأخلاقياته وتطوره، فالأحرى أن تعجز عن السيطرة على مجتمعات غريبة عنه غربة تمتد بعيدا في أعماق التاريخ، كما تغور بعيدا في أعماق النفس المسلمة، ولن أجخل في تفاصيل عن واقع القيم التربوية في المجتمعات الغربية ومدى فشلها في بناء الحياة، بل سأكتفي بخبر واحد يعتبر مؤشرا خطيرا، ويدل بوضوح على انهيار المدنية الغربية رغم إمكاناتها التكنولوجية والمادية الضخمة، فقد صرح مدير مصلحة الإحصاء الأمريكية في 22 ذي القعدة 1402هـ، الموافق 10 أيلول ( سبتمبر ) 1982م :

" أنه لأول مرة منذ بداية هـذا القرن تصبح أغلبية سكان مدينة سان فرانيسيكو من العزاب " .

وأوضح " بروس شامبمان " في مؤتمر صحفي نظمته الجمعية الاجتماعية الأمريكية أنه " وفقا لأرقام آخر تعداد فإن 53% من سكان سان [ ص: 99 ] فرانسيسكو غير متزوجين " ، وأعرب عن اعتقاده بأن هـذه الأرقام يمكن أن تكون مؤشرا على أفول الأنموذج العائلي التقليدي!!.

, أضاف شامبمان :

" إن هـذه التغييرات الاجتماعية ملائمة لتحقيق الرفاهية في المدينة التي زاد عدد سكانها من الشباب بين 25و34 سنة بمقدار ( 40.4% ) خلال العشر سنوات الأخيرة " .

وقال :

" إن التعداد لم يشمل عدد المصابين بالشذوذ الجنسي الذين يقطنون المدينة والذين يشكلون 15% من السكان تقريبا !!! " وبالطبع فإن الأمر لا يحتاج بعد هـذا إلى مزيد للبرهان على فشل القيم التربوية الغربية.

إن أمن العالم الإسلامي الجماعي والفردي يرتبط بالإسلام، فليحذر الذين يسعون إلى طمس الإسلام ودفعه إلى الوراء من تهديد هـذا الأمن الجماعي والفردي بما لا طاقة لأحد بوقفه أو دفعه.

إن ضعف الإدراك لنفسية الشعوب الإسلامية، ومقومات المجتمعات الإسلامية، ومسيرها التاريخية، والعوامل المؤثرة فيها هـو الذي جر إلى المناداة بالعلمانية وبإبعاد الإسلام عن الحياة.

ولا شك أن غيار الوعي الإسلامي الصحيح، وضعف القيادات العلمية الإسلامية عن بيان حقيقة الإسلام وأثره، واستمرار غلق باب [ ص: 100 ] الاجتهاد لعب دورا بارزا في إحداث الفراغ الذي ملأه العلمانيون مستغلين التعليم أعظم استغلال؛ لأن " التعليم أعظم عمل يقوم به المجتمع الذي يرغب في التخلص من الأديان " ، كما يقرر " هـيكل " ، وقد انتبه بعض المفكرين المسلمين إلى خطورة ذلك، ونبه إليه، فقال محمد إقبال رحمه الله :

" إياك أن تكون آمنا من العلم الذي تدرسه فإنه يستطيع أن يقتل أمة بأسرها " .

وقال الشاعر أكبر الإله آبادي :

" يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات وقد كان ذلك أسهل طريقة لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ ) .

ولكن هـذه التنبيهات لم تثمر في إعاقة تيار التعليم العلماني بسبب غياب الوعي الإسلامي الجماعي.

ولا شك أن الفراغ الذي تركه انحسار الإسلام عن ميادين العلم والثقافة كان واسعا حيث لم يبق له سوى المؤسسات التي تعنى بدراسة الشريعة، وهي محدودة وقاصرة على أنماط التعليم التقليدية الموروثة عن المؤسسات التعليمية التي قامت قبل عشرة قرون، كالمدارس النظامية والأزهر، وما بعدها كالمستنصرية ومدارس الحديث التي أعقبتها... وهي مؤسسات كانت تكفل للمجتمع الإسلامي احتياجاته [ ص: 101 ] في الفتوى والقضاء والتوعية الدينية، وكان باب الاجتهاد مفتوحا، وكانت تمثل مرحلة رائدة ومتقدمة في تلك القرون ليس في علوم الشريعة فقط بل في العلوم الطبيعية والرياضية والطب، وهي تعكس المستوى الحضاري الذي بلغته أمة الإسلام آنذاك عندما كانت بغداد وقرطبة مراكز علمية عالمية.

أما مؤسسات التعليم الإسلامية المعاصرة فإنها ليست بمستوى العصر - للأسف - وهو أمر لا بد من الاعتراف به عن قناعة أولا، ولا بد من بحث أسبابه وجذوره التاريخية، ثم لا بد من وضع الخطط العلمية من قبل قادة المسلمين ومفكريهم للنهوض بمؤسسات التعليم الإسلامية لمواكبة العصر على صعيد الوسائل التعليمية، والمناهج التعليمية، المفاهيم التعليمية، والأهداف التعليمية، والقيادات التعليمية.

إن الدراسات الكلاسيكية الطابع، ذات الوسائل التقليدية، لم تعد ملائمة لروح العصر ومتغيراته الدائمة، وهي لن تخرج إلا قيادات ضعيفة محدودة الأفق، ضيقة التصور، تحفظ ولا تفكر، تسلم ولا تنقد، تقلد ولا تجتهد، تجتر ولا تبتكر.. وإن ذلك يرجع إلى عدم تطور التعليم في العالم الإسلامي منذ نهاية العصر الذهبي للإسلام حتى مطلع القرن العشرين، وبداية التعليم الحديث الذي طغت عليه العلمانية ، وبالطبع فالتوقف الحضاري، وما تبعه من تدهور أو انقطاع البحث العلمي الذي نشط في الغرب منذ عصر الانبعاث

( الرينيساينس) حتى الوقت الحاضر [ ص: 102 ] أدى إلى انقسام العالم إلى عالم متحضر وآخر متخلف، وكان العالم الإسلامي في دائرة التخلف بالطبع، وكانت قيادة الصناعة والعلوم بيد الغربيين تحكمها فلسفات مادية لا تمت إلى أي دين بصلة.

وليس الأمر قاصرا على العلوم البحتة والتطبيقية، بل امتد إلى علوم جديدة تتعلق بالتصور العام للحية والكون والإنسان والعلاقات الاجتماعية، وعندما وضعت المناهج في جامعاتنا العصرية لم يكن هـنالك بديل إسلامي لعلوم الاجتماع والاقتصاد والنفس وغيرها، ومن ثم درس طلابنا منذ نشأة هـذه الجامعات الفكر الغربي، ونقلت إليهم نظريات العلماء الغربيين في هـذه الحقول الخطيرة على أنها مسلمات علمية، وأنها " العلم " ولا علم سواها، وهكذا درس طلابنا أفكار " سان سيمون " و " أوجست كونت " ، و " دور كايم " ،و " ليقي بريل " ، و " ديفيد هـيوم " ، و " آدم سميث " ، و " هـوبز " ، و " هـربرت سبنسر " ، و " فرويد " ، و " ماركس " ، و " إنجلز " ، و " مندل " ، و " بافلوف " ، ثم " ديوي " ، و " برتراند رسل " ، " لاسكي " ، والآخرين من فلاسفة ومفكري الغرب في القرنين الأخيرين، وكلهم ينطلق من أساس ير ديني في تفسير نشأة الخليقة والإنسان والمجتمع والتاريخ، " وقد لا يمر ذكر اسم الإسلام في سائر المحاضرات التي تلقي على طلبة جامعاتنا في هـذه العلوم " فما هـو حصاد هـذا الفكر المادي؟ هـل هـو الإيمان بالله وعبادته وتوحيده والاقتناع بشريعته، وتعمير الدنيا بالخير وغرس الإيثار والتعاون والحب في مجتمعنا، وقد [ ص: 103 ] قيل : " إنك لا تجني من الشوك العنب " !؟!

إن أجيال الضياع والتيه التي عانت الآلام، وعاصرت الشقاء والنكد، هـي حصاد الفكر المادي الذي زرعناه في جامعاتنا برعاية وتعهد وتشجيع وإسناد أصحاب هـذا الفكر الذين أبوا أن يشقوا وحدهم في أتون جحيم المادة، وأصروا أن يصدروه إلى " عالم الإسلام " لتعميم البلوى. ( ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) ( النساء: 27) . لقد تمكن الغربيون من إقناع معظم قياداتنا الفكرية بأن " فلسفة الحياة الغربية وعلومها الاجتماعية " هـي البديل الحضاري عن " الإسلام الرجعي " ... الذي هـو سبب تخلف العالم الإسلامي، ومصدر بلائه بما يشيعه من خرافات وتواكل وقناعة وحجر على العقول، ومنع من التفكير الحر الذي يؤدي إلى التقدم العلمي والنهضة الحضارية !!

حتى لو توفرت حسن النية في القيادات الفكرية - جدلا - فإنها ما كانت لتجد أمامها علوما ناضجة نمت تحت ظل الإسلام في حقول التاريخ والاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة كما هـو الشأن في ظل الحضارة الغربية.

بل حتى في نطاق الأدب من شعر وقصة ومسرحية لم تتبلور نظريات عميقة، وتيارات تجديد أصلية مرتبطة بماضينا الأدبي، فالدراسات الأدبية والنظريات النقدية التي تدرس في جامعاتنا تترجم عن أدباء [ ص: 104 ] ومفكري الغرب، وليست ثمرة تطور طبيعي للأدب العربي الذي نال ازدهارا عظيما في العصور الذهبية للإسلام، ثم أصابه ما أصاب الحضارة الإسلامية من ركود وجمود، وهكذا وقف الأدباء في العلم الإسلامي أمام ثقافة أصلية قديمة منبتة عن الواقع المعاصر الذي فيه جوع شديد، وفراغ واسع تقدم ركام الأدب الغربي لسده، فهو أدب حظي بمعاناة عميقة، وأكسبه التطور التقني والفكر عمقا في الشكل الفني والمضامين التي أغنتها مدارس علوم الاجتماع والنفس والفلسفة بمعانيها وأبعادها رغم الانحراف الذي يصبغها، والذي يتمثل في الضياع والعدم والتمزق، وهكذا درس طلابنا الكثير من المدارس الأدبية الغربية من " اللامعقول " والوجودية والرمزية والسريالية والعدمية وغيرها، وأعجبوا بها ونسجوا على منوال أقطابها، وكان الجهل بالإسلام والإعجاب بالغرب قد أديا إلى هـيمنة الحضارة الغربية ومقاييسها الخلقية والسلوكية والجمالية على واقع الحركة الفكرية في العالم الإسلامي في القرن الأخير. وكل من سار مع التيار الجارف من أدبائنا ومفكرينا صعدت به وسائل الإعلام المختلفة إلى مستوى القمة من المجد والشهرة، فذاعت كتاباتهم، وانتشرت مؤلفاتهم، وحصلوا على تكريم المجتمع ماديا وأدبيا، مما مهد لانتشار أفكارهم وحيازتهم لجمهور القراء في عالمنا.

ولم تخل الساحة تماما من الأدباء والشعراء المسلمين الذين وقفوا في القمة لتفوقهم الفني والفكري، لكن أعدادهم المحدودة، ووقوفهم أمام [ ص: 105 ] التيار الجارف، ومعاداة الإعلام العالمي لهم، وكثرة خصومهم، كل ذلك جعلهم لا يتمكنون من السيطرة على الساحة الأدبية وتوجيه الناشئة وفق أفكارهم وأهدافهم.

لقد قامت الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي لتؤكد على أصالة هـذه الأمة وتوثيق ارتباطها بماضيها الإسلامي المجيد، وتحيي شخصيتها على هـدي الكتاب الكريم والسنة المطهرة، وصارت أملا يرتجى ومطمحا للخيرين، وهي رغم بقية الجامعات العالمية - فإنها تمكنت من تنشيط الدراسات الإسلامية ودفعها إلى الأمام، كما تمكنت من توجيه طلبتها نحو الثقافة الإسلامية ومصادرها الأصلية، ولكن المهام أخطر وأعظم من الإمكانات المتاحة، وليس المقصود بالإمكانات وفرة الأموال فقط، فإن بعض هـذه الجامعات تمتلك ميزانيات جيدة، ولكن قصور الإمكانات يظهر في قلة الأساتذة الأكفاء والباحثين المؤهلين في نطاق العلوم الشرعية ممن يجمعون بين التخصيص العميق الدقيق، والثقافة الواسعة الواعية، وإن قلة عدد الأكفياء وضعف مستويات القيادة العلمية ينعكس على حصيلة الطلاب العلمية، وتكوين شخصياتهم وحيازتهم على القدر المناسب من التربية والتعليم وقد يكون من المجدي أن يسد النقص ويرفع المستوى عن طريق الإفادة من الأساتذة الأكفاء بصورة كبيرة، ومضاعفة أثرهم عن طريق إشاعة محاضراتهم بواسطة أشرطة الفيديو والكاسيت، وتوصيل أفكارهم إلى الطلاب والجمهور بواسطة [ ص: 106 ] الإذاعة، وعقد المناظرات والمحاضرات والندوات العلمية على نطاق واسع يحشد له الطلبة، وبذلك يمكن إتاحة الفرصة أمام هـؤلاء الأساتذة للإسهام في الارتفاع بالمستوى العام التربوي والتعليمي.

التالي السابق


الخدمات العلمية