الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
169 130 - (168) - (1 \ 25) عن علقمة بن وقاص، قال: سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله عز وجل، فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

التالي السابق


* قوله: "إنما الأعمال بالنية" : قال النووي - رحمه الله تعالى - : أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحة روايته، قال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - : هو ثلث الإسلام.

وقال ابن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث; تنبيها للطالب على تصحيح النية، انتهى.

وأفردت النية; لكونها مصدرا، وقد جاءت الرواية بلفظ الجمع; لموافقة الأعمال.

[ ص: 125 ] وقد تكلم العلماء على هذا الحديث في أوراق، وذكروا له معاني، وإنما الذي عندي في معناه هو أحد وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الأعمال; أي: الأفعال الاختيارية لا توجد ولا تتحقق إلا بالنية، وليس للفاعل من فعله إلا ما نوى; أي: نيته، على أن "ما" مصدرية; أي: الذي يرجع إليه من عمله نفعا أو ضررا هي النية; فإن العمل يحسب بحسبها خيرا وشرا، ويجزى المرء بحسبها على العمل ثوابا وعقابا، وإذا تقرر المقدمتان، ترتب عليهما.

* قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله" : أي: قصدا ونية، فهجرته إلى الله وإلى رسوله أجرا وثوابا. . . إلخ، وهذا المعنى يتعلق به بسط ذكرته في "حاشية الأذكار"، و"صحيح البخاري"، والمقصود من الحديث على هذا المعنى: تخلي [القلب]، وتطهيره عن لوث الأغراض الباطلة، وتحليه وتعميره بتحصيل النيات الصالحة، وبيان أن النية هي مناط الثواب والعقاب في الأعمال، لا بيان أن صحة الأعمال وإسقاطها عن الذمة لا تكون بدون النية، فالحديث شرح وتوضيح لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

والوجه الثاني: أن يجعل قوله: "إنما الأعمال بالنية" تنبيها على قاعدة شرعية هي أن العبادات لا تصح ولا توجد، أو لا تتم، أو لا تكمل إلا بالنية; أي: بنيتها اللائقة بها شرعا.

* وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى": يجعل تنبيها على قاعدة أخرى; أي: ليس للعامل من عمله إلا ما قصده من خير أو شر، ويجعل قوله: "فمن كانت

[ ص: 126 ] هجرته إلى الله. . . إلخ": تفصيلا للقاعدة الثانية، لا تعلق لها بالقاعدة الأولى، وهذا أوفق بكلام غالب الشراح، وإلى الأول يشير كلام القاضي في "شرح المصباح"، والله تعالى أعلم.

* * *




الخدمات العلمية