الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : أن لا يعظم ضرر القسمة ، فقد لا ينقسم من غير رد من أحد الشريكين أو الشركاء ، وقد ينقسم بلا رد باعتبار الأجزاء ، وتسمى قسمة المتشابهات ، أو باعتبار القيمة وتسمى قسمة التعديل ، فهذه ثلاثة أنواع . الأول : قسمة المتشابهات ، وإنما تجري في الحبوب والدراهم والأدهان وسائر المثليات ، وفي الدار المتفقة الأبنية ، والأرض المتشابهة الأجزاء وما في معناها ، فتعدل الأنصباء في المكيل بالكيل ، والموزون بالوزن ، والأرض المتساوية تجزأ أجزاء متساوية بعدد الأنصباء إن تساوت ، بأن كانت لثلاثة أثلاثا ، فتجعل ثلاثة أجزاء متساوية ، ثم تؤخذ ثلاث رقاع متساوية ، ويكتب على كل رقعة اسم شريك أو جزء من الأجزاء ويميز بعضها عن بعض بحد أو جهة أو غيرها ، وتدرج في بنادق متساوية وزنا وشكلا من طين مجفف أو شمع ، وتجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والإدراج ، فإن كان صبيا أو أعجميا كان أولى ، ثم يؤمر بإخراج رقعة على الجزء الأول إن كتب [ ص: 205 ] في الرقاع أسماء الشركاء ، فمن خرج اسمه ، أخذه ، ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يلي الأول ، فمن خرج اسمه أخذه ، ويعين الباقي للثالث .

                                                                                                                                                                        وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء أخرجت رقعة باسم زيد ، ثم أخرى باسم عمرو ، ويتعين الثالث للثالث ، ويعين من يبتدئ به من الشركاء والإجزاء منوط بنظر القاسم ، فيقف أولا على أي طرف شاء ويسمي أي شريك شاء ، وإن كانت الأنصباء مختلفة ، بأن كان لزيد نصف ، ولعمرو ثلث ، وللثالث سدس ، جزأ الأرض على أقل السهام وهو السدس ، فيجعلها ستة أجزاء ، ثم نص الشافعي - رحمه الله - أنه يثبت اسم الشركاء في رقاع ، وتخرج الرقاع على الأجزاء ، وقال في العتق : يكتب على رقعتين : رق ، وعلى رقعتين : حرية ، وتخرج على أسماء العبيد ، ولم يقل تكتب أسماء العبيد ، وفيهما طريقان :

                                                                                                                                                                        أحدهما : فيهما قولان ، ففي قول يثبت اسم الشركاء والعبيد ، وفي قول يثبت الأجزاء هنا ، والرق والحرية هناك ، والطريق الثاني وهو المذهب ، وبه قطع الجمهور : الفرق ، ففي العتق يسلك ما شاء من الطريقين ، وهنا لا يثبت الأجزاء على الرقاع ؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس ، فيفرق ملك من له النصف أو الثلث ، وأيضا قال في " المهذب " : لو فعلنا ذلك ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف ، فيقول : آخذه وسهمين قبله ، ويقول الآخران : بل خذه وسهمين بعده ، فيفضي إلى النزاع ، ثم هل هذا الخلاف في الجواز أم الأولوية ؟ وجهان ، أرجحهما : الثاني وبه قال الإمام والغزالي ، وسنوضح - إن شاء الله تعالى - ما يحصل به الاحتراز عن تفريق الملك ، وأما ما ذكره في " المهذب " فيجوز أن يقال : لا نبالي بقول الشركاء بل يتبع نظر القاسم كما في الجزء المبدوء به ، واسم الشريك المبدوء به ، فإن أثبت أسماء الشركاء فقيل : يثبت أسماءهم على ثلاث [ ص: 206 ] رقاع ، ويأمر بإخراج رقعة على الجزء الأول ، فإن خرج اسم صاحب السدس أخذه ، وأخرجت رقعة على الجزء الثاني ، فإن خرج اسم عمرو ، أخذه مع الجزء الثالث ، تعينت الثلاثة الباقية لزيد ، وإن خرج اسم زيد ، أخذ الثاني والثالث والرابع ، وتعين الآخران لعمرو ، فإن خرج اسم زيد أولا ، أخذ الثلاثة الأولى ، ثم يخرج رقعة ، فإن خرج اسم عمرو ، أخذ الرابع والخامس ، ويعين السادس لصاحب السدس .

                                                                                                                                                                        وإن خرج اسم صاحب السدس ، أخذ الرابع ، وتعين الباقيان لعمرو ، وإن خرج اسم عمرو أولا ، لم يخف الحكم . وقيل : تثبت أسماؤهم في ست رقاع ، اسم زيد في ثلاث ، وعمرو في ثنتين ، والثالث في رقعة ، ويخرج على ما ذكرنا . وليس في هذا إلا أن اسم زيد يكون أسرع خروجا لكن سرعة الخروج لا توجب حيفا ؛ لأن السهام متساوية ، فالوجه تجويز كل واحد من الطريقين .

                                                                                                                                                                        وإن أثبت الأجزاء في الرقاع ، فلا بد من إثباتها في ست رقاع ، وحينئذ فالتفريق المحذور لو لزم إنما يلزم إذا خرج أولا اسم صاحب السدس وهو مستغن عنه ، بأن يبدأ باسم صاحب النصف ، فإن خرج الأول باسمه ، فله الأول والثاني والثالث ، وإن خرج الثاني فكذلك ، فيعطى معه ما قبله وما بعده ، وإن خرج الثالث ، ففي شرح مختصر الجويني أنه يتوقف فيه ، ويخرج لصاحب الثلث ، فإن خرج الأول أو الثاني ، فله الأول والثاني ، ولصاحب النصف الثالث والرابع والخامس .

                                                                                                                                                                        وإن خرج الخامس ، فله الخامس والسادس ، ثم أهمل باقي الاحتمالات ، وكان يجوز أن يقال : إذا خرج لصاحب النصف الثالث ، فهو له مع اللذين قبله ، وإن خرج الرابع ، فهو له مع اللذين قبله ، ويتعين الأول لصاحب السدس ، وإن خرج الخامس ، فهو له مع اللذين قبله ، ويتعين السادس لصاحب السدس ، [ ص: 207 ] وإن خرج السادس ، فهو له مع اللذين قبله .

                                                                                                                                                                        وإذا أخذ زيد حقه ، ولم يتعين حق الآخرين ، أخرج رقعة أخرى باسم أحدهما ، فلا يقع تفريق ويمكن أن يبدأ ( بصاحب السدس ، فإن خرج باسم الجزء الأول دفع إليه ، ثم يخرج باسم أحد الجزئين ، فلا يقع تفريق . وإن خرج له الثالث دفع إليه ويعين ) الأول والثاني لصاحب الثلث والثلاثة الآخرة لصاحب النصف . وإن خرج له الرابع ، دفع إليه ، وتعين الأخيران لصاحب الثلث ، والثلاثة الأولى لصاحب النصف .

                                                                                                                                                                        ويمكن أن يبدأ بصاحب الثلث ، فإن خرج له الأول أو الثاني ، دفعا إليه ، وإن خرج له الخامس أو السادس دفعا إليه ، ثم يخرج باسم أحد الآخرين ، وإن خرج الثالث ، فله الثالث والثاني ، ويتعين الأول لصاحب السدس ، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف ، وإن خرج الرابع ، فله الرابع والخامس ، وتعين السادس لصاحب السدس ، والثلاثة الأول لصاحب النصف .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        كيفية إدراج الرقاع وإخراجها على التفصيل المذكور لا يختص بقسمة المتشابهات ، بل هي في قسمة التعديل إذا عدلت الأجزاء بالقيمة كذلك .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        كما تجوز القسمة بالرقاع المدرجة في البنادق تجوز بالأقلام والعصي والحصى ونحوها .

                                                                                                                                                                        [ ص: 208 ] فرع

                                                                                                                                                                        إذا امتنع أحد الشركاء من نوع القسمة الذي نحن فيه ، وهو قسمة المتشابهات ، أجبر عليها ، سواء كانت الأنصباء متساوية ، أم متفاوتة ، وفي المتفاوتة وجه لابن أبي هريرة أنه لا إجبار ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية