الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          باب ما تجب فيه الزكاة

                                                                                                          حدثني عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة [ ص: 138 ]

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          [ ص: 138 ] 1 - باب ما تجب فيه الزكاة

                                                                                                          575 577 - ( مالك ، عن عمرو بن يحيى ) بفتح العين وإسكان الميم ( المازني ) بكسر الزاي ، نسبة إلى مازن بن النجار الأنصاري ، وفي موطأ ابن وهب : مالك ، أن عمرو بن يحيى حدثه ( عن أبيه ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن ( أنه قال ) وللبخاري من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن يحيى أنه سمع أباه قال : ( سمعت أبا سعيد ) سعد بن مالك بن سنان ( الخدري ) الصحابي ابن الصحابي ( يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليس فيما دون ) بمعنى أقل من ( خمس ذود صدقة ) زاد التنيسي من الإبل ، وهو بيان لذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة . قال النووي : الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود ، وروي بتنوين خمس ويكون بدلا منه ، قال أهل اللغة : الذود من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه إنما يقال للواحد : بعير . وقال الزين بن المنير : أضاف ( خمس ) إلى ( ذود ) وهو مذكر ; لأنه يقع على المذكر والمؤنث ، وأضافه إلى الجمع لوقوعه على المفرد والجمع . وقول ابن قتيبة : يقع على الواحد فقط لا يدفع نقل غيره أنه يقع على الجمع . وقال الحافظ : الأكثر على أن الذود من ثلاثة إلى عشرة لا واحد له . وقال أبو عبيد : من اثنين إلى عشرة وهو مختص بالإناث . وقال سيبويه : تقول ثلاث ذود لأن الذود مؤنث ، وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذود الجمع وقال : لا يصح أن يقال خمس ذود كما لا يصح أن يقال خمس ثوب ، وغلطه العلماء في ذلك ، لكن قال أبو حاتم السجستاني : تركوا القياس في الجمع فقالوا خمس ذود من الإبل ، كما قالوا : ثلاثمائة على غير قياس . قال القرطبي : وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه ، والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد ، وأصله ذاد يذود إذا دفع شيئا ، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة .

                                                                                                          ( وليس فيما دون خمس أواق ) بالتنوين أي كجوار ، أي من الورق ، كما في الرواية التالية ( صدقة ) جمع أوقية ، وهي أربعون درهما باتفاق ، من الفضة الخالصة سواء كان مضروبا أو غير مضروب . وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال أن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل . ورده ابن [ ص: 139 ] عبد البر وعياض وغيرهما بأنه يلزم منه أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل ، قال عياض : والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد ، فعشرة مثاقيل وزن عشرة دراهم ، وعشرة وزن ثمانية ، فاتفق رأيهم على أن تنقش بالعربية ويصير وزنها وزنا واحدا ، وقال ابن زرقون : إنما أوجب - صلى الله عليه وسلم - الزكاة في أواق معلومة ولم يوجبها في دراهم معلومة ، فلا يضر أن تكون الدراهم مختلفة ; إذ الاعتبار بالأوقية المعلومة . وقال غيرهما : لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام ، وأما الدراهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دارهم ، ولم يخالف في أن نصاب الزكاة مائة درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب فانفرد بقوله : إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم . وذكر ابن عبد البر اختلافا في الوزن بالنسبة لدراهم الأندلس وغيرهما من البلاد ، وخرق بعضهم الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن . ( وليس فيما دون خمسة أوسق ) جمع وسق بفتح الواو أشهر من كسرها ، وجمعه على الكسر أوساق ، وجاء في رواية مسلم : كحمل وأحمال ، وهو ستون صاعا باتفاق ، ولابن ماجه من وجه آخر عن أبي سعيد : والوسق ستون صاعا . ( صدقة ) وفي رواية لمسلم : " وليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة " . قال عياض : وذكر الأوسق يدل على أنه لا زكاة في الخضر ; لأنها لا توسق . ولفظ دون في المواضع الثلاثة بمعنى أقل ; لأنه نفى عن غير الخمس الصدقة ، كما زعم من لا يعتد بقوله وأن دون بمعنى غير ، فاستدل به على وجوبها في الثلاثة ولم يتعرض في الحديث للقدر الزائد على المحدود ، وقد أجمعوا في الأوسق على أنه لا وقص فيها ، وكذا الفضة عند الجمهور ، وعن أبي حنيفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين ، فجعل لها وقصا كالماشية . واحتج عليه الطبري بالقياس على الثمار والحبوب ، والجامع كون الذهب والفضة يستخرجان من الأرض بكلفة ومؤونة ، وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسق فما زاد . وهذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، وأبو داود عن القعنبي كليهما عن مالك به ، وتابعه يحيى بن سعيد في الصحيحين ، وابن عيينة وابن جريج عند مسلم ، كلهم عن عمرو بن يحيى به ، قال ابن عبد البر ، وهو صحيح عند جميع أهل الحديث ، وقد رواه عن عمرو بن يحيى جماعة من جلة العلماء احتاجوا إليه فيه ، ورواه أيضا عن أبيه جماعة ، وقيل إنه لم يأت من وجه لا مطعن فيه ولا علة عن أبي سعيد إلا من رواية يحيى بن عمارة عنه من رواية ابنه عمرو عنه ، ومن رواية محمد بن يحيى بن حبان عنه ، وقال بعض أهل الحديث : لم يروه أحد من الصحابة بإسناد صحيح غير أبي سعيد قال : وهذا هو الأغلب إلا أني وجدته من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ، ومن طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار [ ص: 140 ] عن خالد ، قال الحافظ : ورواية سهيل في الأموال لأبي عبيد ، ورواية محمد بن مسلم في المستدرك ، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر ، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد الله بن جحش ، أخرج الأربعة الدارقطني ، ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد أيضا .




                                                                                                          الخدمات العلمية