الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) شركة العنان فلا يراعى لها شرائط المفاوضة فلا يشترط فيها أهلية الكفالة حتى تصح ممن لا تصح كفالته من الصبي المأذون والعبد المأذون والمكاتب ولا المساواة بين رأسي المال ، فيجوز مع تفاضل الشريكين في رأس المال ومع أن يكون لأحدهما مال آخر يجوز عقد الشركة عليه سوى رأس ماله الذي شاركه صاحبه فيه ، ولا أن يكون في عموم التجارات بل يجوز عاما وهو أن يشتركا في عموم التجارات ، وخاصا وهو أن يشتركا في شيء خاص كالبز والخز والرقيق والثياب ونحو ذلك ; لأن اعتبار هذه الشرائط في المفاوضات لدلالة اللفظ عليها وهو معنى المساواة ولم يوجد في العنان ولا لفظة المفاوضة ; لأن اعتبارها في المفاوضة لدلالتها على شرائط مختصة بالمفاوضة ، ولم يشترط في العنان فلا حاجة إلى لفظة المفاوضة ولا إلى لفظة العنان أيضا ; لأن كل أحد يقدر على لفظ يؤدي معناه بخلاف المفاوضة ولا المساواة في الربح ، فيجوز متفاضلا ومتساويا لما قلنا ، والأصل أن الربح إنما يستحق عندنا إما بالمال وإما بالعمل وإما بالضمان ، أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر ; لأن الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه ، ولهذا استحق رب المال الربح في المضاربة وأما بالعمل ، فإن المضارب يستحق الربح بعمله فكذا الشريك .

                                                                                                                                وأما بالضمان فإن المال إذا صار مضمونا على المضارب يستحق جميع الربح ، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان بقول النبي عليه الصلاة والسلام { الخراج بالضمان } ، فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له ، والدليل عليه أن صانعا تقبل عملا بأجر ثم لم يعمل بنفسه ، ولكن قبله لغيره بأقل من ذلك طاب له الفضل ، ولا سبب لاستحقاق الفضل إلا الضمان ، فثبت أن كل واحد منهما سبب صالح لاستحقاق الربح ، فإن لم يوجد شيء من ذلك لا يستحق بدليل أن من قال لغيره : تصرف في ملكك على أن لي بعض ربحه ; لم يجز ، ولا يستحق شيئا من الربح لأنه لا مال ولا عمل ولا ضمان ، إذا عرف هذا فنقول : إذا شرطا الربح على قدر المالين متساويا أو متفاضلا ، فلا شك أنه يجوز ويكون الربح بينهما على الشرط سواء شرطا العمل عليهما أو على أحدهما والوضيعة على قدر المالين متساويا ومتفاضلا ; لأن الوضيعة اسم لجزء هالك من المال فيتقدر بقدر المال ، وإن كان المالان متساويين فشرطا لأحدهما فضلا على ربح ينظر إن شرطا العمل عليهما جميعا جاز ، والربح بينهما على الشرط في قول أصحابنا الثلاثة ، وعند زفر لا يجوز أن يشترط لأحدهما أكثر من ربح ماله وبه أخذ الشافعي رحمه الله ولا خلاف في شركة الملك أن الزيادة فيها تكون على قدر المال حتى لو شرط الشريكان في ملك ماشية لأحدهما فضلا من أولادها وألبانها ، لم تجز بالإجماع والكلام بيننا وبين زفر بناء على أصل ، وهو أن الربح عنده لا يستحق إلا بالمال ; لأنه نماء الملك فيكون على قدر المال كالأولاد والألبان .

                                                                                                                                ( وأما ) عندنا فالربح تارة يستحق بالمال وتارة بالعمل وتارة بالضمان على ما بينا ، وسواء عملا جميعا أو عمل أحدهما دون الآخر ، فالربح بينهما يكون على [ ص: 63 ] الشرط ; لأن استحقاق الربح في الشركة بالأعمال بشرط العمل لا بوجود العمل ، بدليل أن المضارب إذا استعان برب المال استحق الربح ، وإن لم يوجد منه العمل ; لوجود شرط العمل عليه ، والوضيعة على قدر المالين ; لما قلنا ، وإن شرطا العمل على أحدهما ، فإن شرطاه على الذي شرطا له فضل الربح ; جاز ، والربح بينهما على الشرط فيستحق ربح رأس ماله بماله والفضل بعمله ، وإن شرطاه على أقلهما ربحا لم يجز ; لأن الذي شرطا له الزيادة ليس له في الزيادة مال .

                                                                                                                                ولا عمل ولا ضمان ; وقد بينا أن الربح لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء الثلاثة وإن كان المالان متفاضلين ، وشرطا التساوي في الربح فهو على هذا الخلاف أن ذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة إذا شرطا العمل عليهما ، وكان زيادة الربح لأحدهما على قدر رأس ماله بعمله ، وأنه جائز ، وعلى قول زفر لا يجوز ولا بد أن يكون قدر الربح على قدر رأس المالين عنده ، وإن شرطا العمل على أحدهما فإن شرطاه على الذي رأس ماله أقل ; جاز ، ويستحق قدر ربح ماله بماله والفضل بعمله ، وإن شرطاه على صاحب الأكثر لم يجز ; لأن زيادة الربح في حق صاحب الأقل لا يقابلها مال ولا عمل ولا ضمان .

                                                                                                                                ( وأما ) العلم بمقدار رأس المال وقت العقد فليس بشرط لجواز الشركة بالأموال عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله شرط ( وجه ) قوله أن جهالة قدر رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح ، والعلم بمقدار الربح شرط جواز هذا العقد ، فكان العلم بمقدار رأس المال شرطا .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن الجهالة لا تمنع جواز العقد لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة ، وجهالة رأس المال وقت العقد لا تفضي إلى المنازعة ; لأنه يعلم مقداره ظاهرا وغالبا ; لأن الدراهم والدنانير توزنان وقت الشراء ، فيعلم مقدارها فلا يؤدي إلى جهالة مقدار الربح وقت القسمة .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية