الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 288 ] وقوله: بينهما برزخ لا يبغيان : قال قتادة: أي: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، جعل بينهما وبين الناس اليبس.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: المعنى: لا يبغي أحدهما على الآخر، فيختلط به كله.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن زيد: المعنى: لا يبغيان أن يلتقيا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان : قيل: يعني: من أحدهما، [وقيل: هما بحران، يخرج من أحدهما] اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال: إن الصدف الذي فيه هذه الأشياء إنما يخرج من الموضع الذي فيه العذب والملح؛ كالعيون.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي عن ابن عباس: أن اللؤلؤ لا يتكون في الصدف إلا عن قطر السماء، وقاله الطبري.

                                                                                                                                                                                                                                      و {اللؤلؤ} : معروف، و {المرجان} في قول ابن مسعود: الخرز الأحمر، وقال جماعة من المفسرين: إن {اللؤلؤ} : كبار اللؤلؤ، و {المرجان} : صغاره ، [ ص: 289 ] وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهما.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي عن علي وابن عباس أيضا: أن {المرجان} : كبار اللؤلؤ، و {اللؤلؤ} : صغاره.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وله الجوار يعني: السفن {المنشآت} : قال مجاهد: التي رفعت قلوعها، وليست بمنشآت إذا لم ترفع قلوعها، و (الأعلام) : الجبال.

                                                                                                                                                                                                                                      والضمير في قوله: كل من عليها فان : للأرض.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن : قيل: المعنى: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض الرزق.

                                                                                                                                                                                                                                      علي بن سليمان: يسأله من في السماوات والأرض عن شأنه.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: كل يوم هو في شأن أنه قال: "يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويجيب داعيا".

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المعنى: كل يوم هو في شأن خلقه من تدبير أمورهم ومصالحهم.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 290 ] وحقيقة معنى الآية: أنه ينفذ ما سبق في أم الكتاب أنه كائن، لا أنه يحدث ما لم يتقدم في علمه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: سنفرغ لكم أيه الثقلان : وعيد، والعرب تستعمل (الفراغ) في القصد إلى الشيء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المعنى: سنفرغ لكم من وعدكم الذي وعدته. [ووعيدكم الذي أوعدته].

                                                                                                                                                                                                                                      و {الثقلان} : الجن والإنس.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أي: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا، عن الضحاك.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن عباس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض؛ فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان؛ أي: ببينة من الله عز وجل، وعنه أيضا: أن المعنى: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: {بسلطان} : بحجة.

                                                                                                                                                                                                                                      قتادة: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المراد بذلك: هروب الناس في يوم القيامة حين تحدق الملائكة بأقطار الأرض، والأقطار: النواحي.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 291 ] وقوله: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس : (الشواظ) في قول ابن عباس وغيره: اللهب الذي لا دخان فيه، و(النحاس) : الدخان الذي لا لهب فيه، وعن ابن عباس أيضا: أن (النحاس) الصفر يذاب ويصب على رءوسهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قيل: إن (الشواظ) : النار والدخان جميعا، قاله أبو عمرو، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.

                                                                                                                                                                                                                                      فالجر في {نحاس} في من قرأ به- على هذا بين، وأما الجر على قول من جعل (الشواظ) اللهب الذي لا دخان فيه؛ فبعيد، لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف؛ كأنه قال: يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس؛ فـ (شيء) معطوف على {شواظ} ، و(من نحاس) : جملة هي صفة لـ (شيء) ، وحذف (شيء) ، وحذفت (من) ؛ لتقدم ذكرها في من نار ، كما حذفت (على) من قولهم: (على من تنزل أنزل) ؛ أي: أنزل عليه؛ فيكون {نحاس} على هذا- مجرورا بـ (من) المحذوفة.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن رفع؛ فهو معطوف على {شواظ} ، وهو ظاهر.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى فلا تنتصران : فلا ينصر بعضكم بعضا.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 292 ] وقوله: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان : (الدهان) : الدهن، عن مجاهد، والضحاك، وغيرهما: والمعنى: أنها صارت في صفاء الدهن، و(الدهان) على هذا جمع (دهن) .

                                                                                                                                                                                                                                      سعيد بن جبير، وقتادة: المعنى: فكانت حمراء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المعنى: أنها تصير في حمرة الورد، وجريان الدهن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: (الدهان) : الجلد الأحمر.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد، يقال لـ (الكميت) : (ورد) إذا كان يتلون بألوان مختلفة.

                                                                                                                                                                                                                                      زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المعنى: أنها تمر وتجيء.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي: أن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم، فتصير حمراء ذائبة كالدهن.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان : هذا في موطن من مواطن القيامة، ويسألون في موطن آخر، على ما قدمناه في غير هذا الموضع.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: المعنى: لا يسألون إذا استقروا في النار.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: لا يسألون سؤال اختبار.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس: المعنى: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا أسأل بعضهم عن [ ص: 293 ] ذنوب بعض.

                                                                                                                                                                                                                                      الحسن، ومجاهد: المعنى: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.

                                                                                                                                                                                                                                      [وقيل: المعنى: لا تسأل الملائكة عن ذنوبهم؛ لأن الله تعالى قد أحصاها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يعرف المجرمون بسيماهم ]: قال الحسن: بسواد الوجوه، وزرقة الأعين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فيؤخذ بالنواصي والأقدام : يروى: أنه يجمع بين رجليه وناصيته من خلفه، ثم يلقى في النار.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: هذه جهنم أي: يقال لهم: هذه جهنم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يطوفون بينها وبين حميم آن أي: قد انتهى حره؛ والمعنى: يطوف المجرمون بين أطباق جهنم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولمن خاف مقام ربه جنتان : هذا دليل على أن الجن يجازون؛ والمعنى في قول مجاهد وغيره: من خاف مقام ربه في الدنيا، فكان إذا هم بمعصية تركها.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن زيد: (مقامه) : حين يقوم العباد يوم القيامة بين يديه.

                                                                                                                                                                                                                                      وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة خمس مئة عام، في وسط كل بستان دار من نور على نور ، [ ص: 294 ] وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت، وشجرها نابت".

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: إن (الجنتين) : جنته التي خلقت له، وجنة ورثها، حسب ما قدمناه في غير هذا المكان.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ذواتا أفنان : قال ابن عباس وغيره: أي: ذواتا ألوان من الفاكهة، فواحد (الأفنان) على هذا: (فن) ، وقيل: إن (الأفنان) : الأغصان، فواحدها: (فنن) .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد وغيره: هي ظل الأغصان على الحيطان.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فيهما من كل فاكهة زوجان أي: ضربان، عن سفيان وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدم ذكر (الإستبرق) .

                                                                                                                                                                                                                                      و(البطائن) في قول ابن عباس وسائر المفسرين: ما يلي الأرض، وقال الفراء: المراد ب(البطائن) ههنا: الظواهر، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ظواهرها نور يتلألأ".

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وجنى الجنتين دان : (الجنى) : ما يجتنى؛ وهو الثمر، و {دان} : قريب.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 295 ] وقوله: فيهن قاصرات الطرف : قال: {فيهن} ؛ لأن الجنتين تشتمل جنات، وقيل: لأن التثنية جمع.

                                                                                                                                                                                                                                      الزجاج: يعني: في الجنتين وما أعد له.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: إن الضمير في {فيهن} : للفرش؛ والمعنى: عليهن.

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدم ذكر قاصرات الطرف .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان أي: لم يدمهن، عن ابن عباس وغيره، ومنه قيل للحائض: (طامث) .

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: لم يطأهن، وقد جاء (طمثها) ؛ إذا وطئها وإن لم يفتضها.

                                                                                                                                                                                                                                      عكرمة: المعنى: لم ينكحهن، قال: و(الطمث) : الجماع، ويروى: (أن الرجل إذا جامع ولم يسم؛ انطوى الجان على إحليله، فجامع معه) .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي هذا الآية دليل على أن الجن تطأ، وتدخل الجنة، وتكون لهم فيهم جنيات.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 296 ] وقوله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان أي: هل جزاء من قال: (لا إله الا الله) إلا الجنة؟ عن عكرمة وغيره، وقيل: المعنى: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة؟

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ومن دونهما جنتان أي: ومن دونهما في الدرج.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: {مدهامتان} أي: خضراوان من الري، قاله ابن عباس وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: مسوادتان، و(الدهمة) في اللغة: السواد.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فيهما عينان نضاختان أي: فوارتان بالماء، و(النضخ) بالخاء أكثر من (النضح) بالحاء.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: المعنى: نضاختان بالخير.

                                                                                                                                                                                                                                      فيهما فاكهة ونخل ورمان أعاد ذكر النخل والرمان؛ لفضلهما على الفاكهة، وقوله: فيهن خيرات حسان : قيل: أصل {خيرات} : (خيرات) ، فخفف، وقيل: هو جمع (خير) ؛ والمعنى: ذوات خير.

                                                                                                                                                                                                                                      الزهري: المعنى: "خيرات الأخلاق، حسان الوجوه"، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: مقصورات في الخيام : قال عمر رضي الله عنه: (الخيمة) : درة مجوفة، وقاله ابن عباس، وقال: هي فرسخ في فرسخ، [لها أربعة آلاف مصراع من ذهب].

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 297 ] ومعنى {مقصورات} : قد قصرن على أزواجهن، فلا يردن بدلا بهم، قاله مجاهد وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن عباس وغيره: محبوسات في الخيام، وهو حبس صيانة وتكرمة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: متكئين على رفرف خضر : قال ابن عباس: (الرفرف) : فضول الفرش والبسط، وعن ابن عباس أيضا، وقتادة، وغيرهما: (الرفرف) : المحابس.

                                                                                                                                                                                                                                      الحسن: المرافق، ابن جبير: رياض الجنة، واشتقاقه من (رف يرف) ؛ إذا ارتفع.

                                                                                                                                                                                                                                      و(العبقري) : الزرابي. عن ابن عباس وغيره، الحسن: البسط، مجاهد: الديباج.

                                                                                                                                                                                                                                      و(العبقري) : منسوب إلى (عبقر) ؛ موضع باليمن ينسج فيه الديباج.

                                                                                                                                                                                                                                      الأصمعي: العرب إذا استحسنت الشيء واستجادته؛ قالت عبقري، وأصله: أن (عبقر) موضع تجود فيه صناعة الوشي.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 298 ]

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية