الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  957 47 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد ، قال: حدثنا عاصم، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الركوع ؟ أو بعده ؟ قال: قبله. قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع. فقال: كذب ; إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا. أراه كان [ ص: 18 ] بعث قوما يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو عليهم.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للجزء الأول للترجمة، وهو في قوله: " قال قبله " أي قبل الركوع.

                                                                                                                                                                                  (ذكر رجاله): وهم أربعة: الأول مسدد . الثاني عبد الواحد بن زياد ، مر في باب وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الثالث: عاصم بن سليمان الأحول ، الرابع: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  (ذكر لطائف إسناده): فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه السؤال، وفيه القول في تسعة مواضع، وفيه أن رجاله كلهم بصريون، وهو من الرباعيات.

                                                                                                                                                                                  (ذكر تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره): أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن موسى بن إسماعيل ، وفي الجنائز عن عمرو بن علي ، وفي الجزية عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، وفي الدعوات عن الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، وعن ابن أبي عمر ، عن ابن عيينة .

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه): قوله: " سألت أنس بن مالك عن القنوت " ، مراده من هذا السؤال أن يبين له محل القنوت ، ولهذا قال: قلت: قبل الركوع ؟ أو بعده، أي بعد الركوع ؟ فظن أنس أنه كان يسأل عن مشروعية القنوت، فلذلك قال: قد كان القنوت، يعني: كان مشروعا.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قلت: فإن فلانا " ، ويروى " قال: فإن فلانا " - لم يعلم من هو هذا الفلان. قيل: يحتمل أن يكون محمد بن سيرين ; لأن في الحديث السابق سأل محمد بن سيرين أنسا ، فقال: أوقنت قبل الركوع ؟

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال: كذب " أي قال أنس : كذب فلان ! قال الكرماني : (فإن قلت): فما قول الشافعية حيث يقنتون بعد الركوع متمسكين بحديث أنس المذكور، وقد قال الأصوليون: إذا كذب الأصل الفرع لا يعمل بذلك الحديث، ولا يحتج به ؟ (قلت): لم يكذب أنس محمد بن سيرين ، بل كذب فلانا الذي ذكره عاصم ، ولعله غير محمد . انتهى. (قلت): قد تعسف الكرماني في هذا التصرف، بل معنى قوله: " كذب " أي أخطأ، وهي لغة أهل الحجاز ، يطلقون الكذب على ما هو الأعم من العمد، والخطإ. وقال ابن الأثير في (النهاية): ومنه حديث (صلاة الوتر، كذب أبو محمد ) أي أخطأ، سماه كذبا ; لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية، والقصد ; لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم. وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ. وأبو محمد صحابي، واسمه مسعود بن زيد . وقال الذهبي : مسعود بن زيد بن سبيع اسم أبي محمد الأنصاري القائل بوجوب الوتر.

                                                                                                                                                                                  قوله: " إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا " ، كلمة إنما للحصر. ويستفاد منه أن قنوته بعد الركوع كان محصورا على الشهر، والمفهوم منه أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا ثم تركه. وتعسف الكرماني لتمشية مذهبه، وأخرج الكلام عن معناه الحقيقي حيث قال: معناه أنه لم يقنت إلا شهرا في جميع الصلوات بعد الركوع، بل في الصبح فقط ; حتى لا يلزم التناقض بين كلاميه، ويكون جمعا بينهما. انتهى.

                                                                                                                                                                                  (قلت): لا نسلم التناقض ; لأن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا كان على قوم من المشركين على ما يجيء إن شاء الله، ثم تركه، والترك يدل على النسخ.

                                                                                                                                                                                  قوله: " أراه كان " ، أي قال أنس رضي الله تعالى عنه: أظن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعث قوما يقال لهم: القراء. وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس، نزلوا صفة يتعلمون القرآن، بعثهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام، وليقرؤوا عليهم القرآن. فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر، بن الطفيل في أحياء وهم رعل، وذكوان، وعصية، وقاتلوهم، فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري . وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يعني: بعد أحد بقية شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد. قال موسى بن عقبة : وكان أمير القوم المنذر بن عمرو ، ويقال: مرثد بن أبي مرثد . وقال ابن سعد : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة، وفي شعر لبيد ملاعب الرماح ، فأهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يقبل منه. وعرض عليه الإسلام، ولم يسلم، ولم يبعد من [ ص: 19 ] الإسلام. وقال: يا محمد ، لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد ! قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد ! فبعث معه القراء، وهم سبعون رجلا، وفي مسند السراج : أربعون، وفي المعجم: ثلاثون: ستة وعشرون من الأنصار ، وأربعة من المهاجرين . وكانوا يسمون القراء، يصلون بالليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب، واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فبعثهم جميعا، وأمر عليهم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت، أي يقدم على الموت.

                                                                                                                                                                                  فساروا حتى نزلوا بئر معونة بالنون، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله. ثم اجتمع عليه قبائل من سليم : عصية، وذكوان، ورعل . فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد ، فإنهم تركوه وبه رمق. فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا.

                                                                                                                                                                                  وكان في القوم عمرو بن أمية الضمري ، فأخذ أسيرا. فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل ، فجز ناصيته، وأعتقه. فبلغ ذلك أبا براء ، فشق عليه ذلك، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه، ووقع عن فرسه.

                                                                                                                                                                                  قوله: " زهاء " ، بضم الزاي، وتخفيف الهاء، وبالمد، أي مقدار سبعين رجلا.

                                                                                                                                                                                  قوله: " دون أولئك " ، يعني: غير الذين دعا عليهم، وكان بين المدعو عليهم وبينه عهد، فغدروا وقتلوا القراء، فدعا عليهم.

                                                                                                                                                                                  قوله: " شهرا " ، أي في شهر ; فافهم !.

                                                                                                                                                                                  (ذكر ما يستفاد منه): فيه التصريح عن أنس رضي الله تعالى عنه أن القنوت قبل الركوع ، وأنه حين سأله عاصم قال: قبل الركوع. وأنكر على من نقل عنه أنه بعد الركوع، ونسبه إلى الكذب، وقال: لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا في شهر واحد يدعو على قتلة القراء المذكورين. (فإن قلت): حديث أنس المذكور في الباب في مطلق الصلاة، ويدل عليه ما روى عاصم أيضا عن أنس أنه قال: سألت أنسا عن القنوت في الصلاة، أي مطلق الصلاة. والمراد منه جميع الصلوات الفرض، ويدل عليه حديث ابن عباس أنه قال: " قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده، في الركعة الأخيرة ".

                                                                                                                                                                                  رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري . وليس في حديث أنس ما يدل على أنه قنت في الوتر. (قلت): روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر، فيقنت قبل الركوع . وروى الترمذي من حديث أبي الحوراء بالحاء المهملة، واسمه ربيعة بن شيبان قال: " قال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت ; فإنك تقضي، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت ! "

                                                                                                                                                                                  وقال الترمذي : لا نعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئا أحسن من هذا. ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه أيضا، وروى الدارقطني من رواية سويد بن غفلة " عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر " . (فإن قلت): وفي إسناده عمرو بن شمر الجعفي أحد الكذابين الوضاعين. (قلت): قال الترمذي : وفي الباب عن علي رضي الله تعالى عنه، ولم يرد هذا، وإنما أراد، والله أعلم، ما رواه هو في الدعوات، وبقية أصحاب السنن من رواية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن علي بن أبي طالب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك !.

                                                                                                                                                                                  ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد. وروى النسائي كما روى ابن ماجه من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع ). وروى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث ابن مسعود " عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقنت في الوتر قبل الركوع " .

                                                                                                                                                                                  ورواه الدارقطني بلفظ: " بت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنظر كيف يقنت في وتره ! فقنت قبل الركوع. ثم بعثت أمي أم عبد فقلت: بيتي مع نسائه، فانظري كيف يقنت في وتره، فأتتني، فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع " . وروى محمد بن نصر المروزي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، ويقنت " .

                                                                                                                                                                                  قال محمد بن نصر في رواية أخرى: زاد بعد قوله: " ويقنت قبل الركوع ". والحديث عند النسائي من طرق، وليس [ ص: 20 ] في شيء من طرقه ذكر القنوت، وقال الترمذي : واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر ; فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع. وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق . انتهى.

                                                                                                                                                                                  وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) من رواية الأسود عنه أنه كان يختار القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع ، وروى أيضا من رواية علقمة أن ابن مسعود ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع. ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود ، وعمر أيضا من رواية عبد الرحمن بن أبزى . ورواه أيضا ابن أبي شيبة ، ومحمد بن نصر من رواية الأسود عن عمر .

                                                                                                                                                                                  وحكاه ابن المنذر عنهما، وعن علي ، وأبي موسى الأشعري ، والبراء بن عازب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة السلماني وحميد الطويل ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنهم. وروى السراج : حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن بشر عن العلاء بن صالح ، حدثنا زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر، فقال: حدثنا البراء بن عازب قال: سنة ماضية .

                                                                                                                                                                                  وفي (المصنف): وقال إبراهيم : كانوا يقولون: القنوت بعد ما فرغ من القراءة في الوتر، وكان سعيد بن جبير يفعله. حدثنا وكيع ، عن هارون بن أبي إبراهيم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس - أنه كان يقول في قنوت الوتر: لك الحمد ملء السماوات السبع . وحدثنا وكيع ، عن الحسن بن صالح ، عن منصور ، عن شيخ يكنى أبا محمد - أن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يقول في قنوت الوتر: اللهم إنك ترى، ولا ترى، وأنت بالمنظر الأعلى، وأن إليك الرجعى، وأن لك الآخرة والأولى ! اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى .

                                                                                                                                                                                  وهذا الذي ذكرناه كله يدل على أن لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة، إنما القنوت في الوتر قبل الركوع.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية