الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أما منع الماعون وإعطاؤه ، وهو العارية كما تقدم .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن مبحث العارية في ناحيتين : ما هي العارية ، والثاني : حكمها أواجب أم مباح ، وحكم ضمانها مضمونة أم لا ؟

                                                                                                                                                                                                                                      أما تعريفها عند الفقهاء : هي إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال ، مع بقاء عينه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقولهم مع بقاء عينه : كالقدر والفأس والإبرة والمنخل ، ونحو ذلك ، بخلاف ما يكون إتلافه في استعماله ، كالشمع للإضاءة ، والزيت للدهن ، والكحل للاكتحال ، ونحو ذلك ، مما تنفد عينه باستعماله ، فلا يكون عارية ، ولكن يكون قرضا ، والقرض يكون معاوضته بمثله .

                                                                                                                                                                                                                                      أما حكم العارية . فقيل : جائز .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 121 ] وقيل : بل واجب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل : مستحب .

                                                                                                                                                                                                                                      وحكى ابن قدامة الإجماع على استحبابها ، ودليل من قال بالوجوب بنص الآية : ويمنعون الماعون ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في حق الإبل لما ذكر الزكاة " وأن حقها إعارة دلوها ، وإطراق فحلها ، ومنحه لبنها يوم ورودها " .

                                                                                                                                                                                                                                      والواقع أن هذا الحديث ذكر فيه ما ليس بعارية قطعا ، مثل طرق الفحل ومنح اللبن ، مما يضعف الاستدلال به .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد ساق المجد في المنتقى برواية أحمد ولهم .

                                                                                                                                                                                                                                      أما الوعيد في الآية فقالوا : هو منصب على الصفات الثلاث : السهو عن الصلاة ، والرياء في العمل ، ومنع الماعون جميعا ، ومن اتصف بواحدة فله قدره من الوعيد بحسبه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأقل ما يقال فيها ما جاء في قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى [ 5 \ 2 ] ، والحديث الصحيح في حق الزكاة ، لما ذكر صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة والإبل والبقر والخيل ، وقال : " ولا ينسى حق الله في ظهرها " .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم سئل عن الحمر ، فقال : " لم أجد إلا الآية الشاذة الفاذة : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره " [ 99 \ 7 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      وإعارة المتاع إباحة المنفعة وهي خير كثير .

                                                                                                                                                                                                                                      والحديث الآخر : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس " .

                                                                                                                                                                                                                                      ونقل الشوكاني عن الكشاف قولا : أنها تكون واجبة عند الاضطرار ، وقبيح في غير الضرورة مروءة . ا هـ .

                                                                                                                                                                                                                                      والضرورة : مثل الدلو إذا وردت الماء ولا دلو معك ، وفي اضطرار إلى الماء .

                                                                                                                                                                                                                                      وقياس الفقهاء : أنه لو تلف شيء بسبب ذلك لضمن المانع .

                                                                                                                                                                                                                                      كما قالوا في الامتناع في بعض الصور : هل هو فعل أو ترك ؟ مثل من كان عنده [ ص: 122 ] خيط ، واحتيج إليه في خياطة جرح إنسان ، أو قطنة فمات ، فهل يعد ترك إعطاء الخيط مجرد ترك لا يؤاخذ عليه ، أو يعتبر فعلا لأنه تسبب عنه موت إنسان . ومثله منع الدلو ليروي أو يسقي إبله أو يشرب هو ؟

                                                                                                                                                                                                                                      والصحيح عندهم : أن الترك في مثل هذه الحالة يؤاخذ عليه مؤاخذة الفعل ، كما قال صاحب مراقي السعود .

                                                                                                                                                                                                                                      والترك فعل في صحيح المذهب

                                                                                                                                                                                                                                      وهنا ما يشهد له الاستعمال العربي الصحيح ، كما قيل في بناء المسجد :


                                                                                                                                                                                                                                      لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل



                                                                                                                                                                                                                                      فسمي القعود عن العمل عملا مضللا ، فتحصل من هذا أن العارية مستحبة شرعا ومروءة وعرفا في حالة الاختيار ، وواجبة في حالة الاضطرار ، مع ملاحظة أن حالات الاستعارة أغلبها اضطرار ، إلا أن حالات الاضطرار تتفاوت ظروفها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد امتدح الله الأنصار بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ 59 \ 9 ] ، فالعارية من باب أولى ، لأنه ينتفع بها وترد لصاحبها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد امتدح الشاعر القوم بعدم منعهم الماعون ، بقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      قوم على الإسلام ولما يمنعوا     ماعونهم ويضيع التهليلا



                                                                                                                                                                                                                                      وإن كان بعض الناس حمل الماعون هنا على الزكاة ، ولكن قول الشاعر : قوم على الإسلام ، يتضمن إخراجهم الزكاة ضمن إسلامهم ، فيكون الباقي امتداد حالهم في خصوص الماعون .

                                                                                                                                                                                                                                      بقي مبحث ضمانها : تختلف الأقوال في ضمان العارية ، فبعضهم يعتبرها أمانة ، وعليه فلا تكون مضمونة وهذا مذهب الحنفية والمالكية ، إذا لم يحصل منه تعد .

                                                                                                                                                                                                                                      وعند الشافعي وأحمد : أنها مضمونة ، إلا إذا كانت على الوجه المأذون فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      كما قالوا في السيف : يستعيره فينكسر في القتال فلا ضمان فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      واستدل من قال بضمانها بالحديث العام : " على اليد ما أخذت ، حتى تؤديه " رواه [ ص: 123 ] المجد في المنتقى ، وقال : رواه الخمسة إلا النسائي .

                                                                                                                                                                                                                                      وبحديث صفوان بن أمية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أذرعا قيل ثلاثين ، وقيل ثمانين ، وقيل مائة . فقال : أغصبا يا محمد ؟ قال : " بل عارية مضمونة ، فقال : فضاع بعضها ، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له ، فقال : أنا اليوم في الإسلام أرغب " رواه أحمد وأبو داود .

                                                                                                                                                                                                                                      ونص الفقهاء أن ضمانها بقيمتها يوم تلفت أو بمثلها ، إن كانت مثلية ، ويستدل له بما جاء في قصعة حفصة لما ضربتها عائشة فسقطت على الأرض فانكسرت ، وانتثر الطعام ، فأخذ صلى الله عليه وسلم قصعة عائشة وردها إلى حفصة ، وقال : " قصعة بقصعة ، وطعام بطعام " أي أن الضمان إما بالمثل إن كان مثليا ، أو بالقيمة إن كان مقوما .

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا كانت العارية مضمونة وحكمها الجواز ، فللمستعير طلب ردها متى شاء ، إلا إذا تعلقت بها مصلحة المستعير ، ولا يمكن ردها إلا بمضرة عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      قالوا : كمن أعار سفينة وتوسط بها المستعير عرض البحر ، فلا يملك المعير ردها لتعذر ذلك وسط البحر .

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل : له طلبها ، وتكون بالأجرة على المستعير ، والأول أرجح .

                                                                                                                                                                                                                                      وكالذي أعار أرضا للزرع ، وقبل أن يستحصد الزرع يطلبها صاحبها ، وهكذا . والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                      حكم من جحد العارية

                                                                                                                                                                                                                                      إن حديث المرأة المخزومية مشهور ، وهو أنها كانت تستعير المتاع وتجحده ، فاشتهرت بذلك ، ثم إنها سرقت فقطعت في السرقة ، لا في جحد المتاع المستعار ، وهذا هو الأصح . لأن السرقة لا تكون إلا على وجه التخفي ومن حرز .

                                                                                                                                                                                                                                      والاستعارة خلاف ذلك ، وإنما تدخل في قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ 4 \ 58 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله صلى الله عليه وسلم : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 124 ] وحديث " أد الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك " رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا مجمل مباحث العارية ، وتفصيل فروعها في كتب الفقه أوجزنا منه ما يتعلق بمنع الماعون وعدم جواز منعه ، وما يتعلق ببذله ، وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية