الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الفرع الثالث

                                                                                                                في الكتاب : إذا عنست البكر في بيت أبيها وآنس منها الرشد جازت [ ص: 197 ] كفالتها وعتقها وهبتها وإن كره أبوها ، قاله ابن القاسم ، ومنع مالك وهو الذي يعرف . قال مالك : ويجوز عتقها إن أجازه أبوها ، وعن مالك : جواز أمرها ، ومنشأ الخلاف أن صحة العبارة ونفوذ التصرف ينشآن عن وصف الرشد حيث وجد ، وعن الحكم وهي قاعدة تقدم الخلاف فيها في كتاب الحجر ، والفقه اعتبار الرشد وعدمه لا الحكم ; لأنه منشأ الحكمة في الإمضاء والرد ، وتمنع كفالة غير المعنسة وبيعها ومصروفها ، وإن أجازه أبوها لعدم تجارتها ومخالطتها الموجبين لضبط المصالح ، فتكون كالبهيمة ، ولا ينبغي أن يجيزه السلطان كالصبي والمولى عليه ، ويرد هبتها لأبيها كالأجنبي وكذلك بعد تزويجها ودخولها حتى يؤنس رشدها فيجوز ، وإن كره الزوج ، والكفالة وغيرها إن حمله الثلث ، وإذا أجاز الزوج كفالة الرشيدة في أكثر من الثلث جاز ، فإن اغترقت الكفالة مالها لم تجز في ثلث ولا غيره ، وأصل هذا البحث قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتصرف في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها ) والثلث ذو بال لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الثلث والثلث كثير ) . ولأن الثلث معتبر في التحذير في الوصية وغيرها فاعتبر هاهنا ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تنكح المرأة لأربع ) . فذكر المال ، فتعلق به حق الزوج خلافا لـ ( ش ) في هذا .

                                                                                                                فائدة : في التنبيهات : التعنيس كبر المرأة في بيت أبيها ، ويقال أيضا للتي بقيت مدة لم تتزوج ، ويقال ذلك في الرجل أيضا إذا بقي بعد إدراكه لم يتزوج زمانا ، وهي في عرف الفقهاء في البكر إذا كبرت ولم تتزوج ولكنهم اجروا [ ص: 198 ] حكمها في تصرفها قبل التزويج وبعده سواء ، ويقال : عنست بفتح العين وضمها وتشديد النون وفتحها مع الفتح وكسرها وبفتحها وتخفيف النون فهي عانس ومعنسة وأعنست أيضا ، وأصلها من القوة والتمام ، قال بعض اللغويين : لا تسمى بذلك لأقل من ثلاثين سنة ، واختلف الفقهاء في ذلك في ذات الأب وفي اليتيمة من أقل من ثلاثين إلى ستين وبعدها من انقطاع الحيض ، وقال التونسي : إذا زادت الزوج على الثلث رد الكل لاشتماله على الممنوع ، إلا أن يكون يسيرا كالدينارين ، كقول مالك فيمن أوصت بعتق جاريتها إن وسعها الثلث عتقت ، وإن لم يسعها الثلث فلا تعتق إلا أن يفضل الديناران ، فلا يحرم العتق ، قال ابن القاسم : ويغرم ذلك قال التونسي : وهذا استحسان ; لأنه خلاف بعض الوصية وقيل : يرد منها بقدر ذلك عن ابن القاسم إذا أعتقت عبدا ثم أعتقت ثانيا بعد زمن ثم أعتقت ثالثا بعد زمن وليس لها غيرهم جاز عتق الأول إن كان ثلث قيمتهم ، ثم إن قرب عتقها الثاني بما يعرف به الضرر بطل ، وإن بعد مثل الشهور وقيمته قدم الثلث منه ، ومن الثاني جاز ولا يعتق الثالث ، فإن كان الأول أكثر من الثلث رد عتقه ، والثاني أكثر من ثلث قيمة الثلاثة رد أيضا أو قيمة الثالث بعد إبطال الأول ثلث قيمة الثلاثة رد أيضا ، أو قيمة الثاني بعد إبطال الأول ثلث قيمة الثلاثة جاز ، وعنه : إن أعتقت اليوم واحدا وفي غد الثاني وبعد غد الثالث أو بعد يومين فإن كان الأول الثلث جاز وحده أو أكثر بطل عتقهم ، قال : فانظر لم يبطل عتق الأول وإن قرب عتق ما بعده ، وينبغي إبطال لجميع لأنها في معنى قصد عتق الجميع ففرقتهم لتجيز أكثر من الثلث ، ثم أبطل عتق الجميع إذا كان الأول أكثر من الثلث ، ولم يجعل الثاني كالأول إذا كان ثلثه [ . . . ] أنه يجوز ; لأن الأول إذا بطل صار كأنه أعتق الثاني كالأول ، وعلى قياس قوله إذا لم يعتبر ما حدث بعد الأول أن يجيز عتق الثاني إذا كان ثلث [ ص: 199 ] الثلاثة وقد بطل عتق الأول ، وقد اعتبر ذلك في رواية عنه ، وفي الموازية : إذا أعتقت ثلث جارية لا يملك غيرها جاز ذلك ، قاله مالك ، وقال أشهب : إذا أجاز الزوج استتم بقيتها إن لم يجز رد عتقها ، قال التونسي : أرأيت لو أن امرأة لرجل تزوجها ثم قالت بعد ذلك : أكرهني ، لم تصدق إلا ببينة ، قاله مالك ; لأن عطيتها لزوجها جائزة وإن أحاط ذلك بمالها ، وقال أشهب : أما حمالتها لزوجها لغيره تلزمها ، ولا يقبل قولها كما في المدونة إلا أن يكون الأجنبي صاحب الحق عالما بذلك ، وتقوم لها ببينة على الإكراه ، فإن أنكر الأجنبي العلم حلف ، فإن نكل حلفت : لقد علم وبرئت في القرية القريبة الجوار ، وأما غير الجار من يبعد علمه لا يحلف ، وحمالتها بغير زوجها لزوجها إن كان ظاهر الإساءة لها ، وهو قليل الورع في ذلك متحامل عليها بطلت الحمالة إذا حلفت ، فإن كان غير ذلك حلف الزوج : ما أكرهها ولا أخافها ولزمتها الحمالة ، قال اللخمي : قوله إن أجازه إلا الأب يريد أنه يعلم بحالها ، فإن علم رشدها أجاز ، وإلا رد كالوصي إذا علم من يتيمه رشدا أنه يدفع إليه ماله بغير حاكم ، وجعل فعل الثيب على الجواز يريد إذا طال أمرها بعد البناء ، وإن كانت اليوم لا زوج لها ، وكذلك الثيب ذات الزوج واختلف في خمس مسائل : إذا قصدت الضرر وإن لم يجاوز الثلث ، وإذا جاوزته هل يمضي قدر الثلث أو يرد الجميع ؟ وإذا كان المتحمل به موسرا هل يمضي جميعها وإن زادت على الثلث ، وإذا تكفلت بكفالة بعد كفالة بقرب الأولى ، والخامسة إذا كانت على بعد من الأولى فتكفلت ووهبت من صدقة المال الأول ، أو من فائدة فأما كفالتها بموسر بأكثر من الثلث منعها ابن القاسم ، وأجازها عبد الملك وهو أشبه ; لأن الغالب السلامة وبقاؤه عن اليسير ، وإذا تكفلت بالوجه على أن مال عليها فقال ابن عبد الحكم : لزوجها رد ذلك لتوقع حبسها ، وإلجائها للخروج للخصومة بخلاف المال ، قال صاحب النوادر : [ ص: 200 ] قال أصبغ : إذا طلقت وأيسر المعدم ولم تفسخ الحمالة فهي ثابتة إلا أن يكون الزوج أسقطها عن زوجته ، والغرماء عن غريمهم ، وقال ابن القاسم : حمالة الذي أحاط الدين بماله تسقط ، ولا يتبعه فيما بينه وبين الله ، وقال أصبغ : هي كحمالة ذات الزوج كما تقدم .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية