الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وِلَايَةِ خَفَاجَةَ بْنِ سُفْيَانَ صِقِلِّيَّةَ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَغَزَوَاتِهِمَا قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنَّ أَمِيرَ صِقِلِّيَّةَ الْعَبَّاسَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ ، وَكَتَبُوا إِلَى الْأَمِيرِ بِإِفْرِيقِيَّةَ بِذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ السَّرَايَا ، فَفَتَحَ قِلَاعًا ( مُتَعَدِّدَةً ) مِنْهَا : جَبَلُ أَبِي مَالِكٍ وَقَلْعَةُ الْأَرْمَنِيِّينَ وَقَلْعَةُ الْمَشَارِعَةِ ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ . وَوَصَلَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ خَفَاجَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَمِيرًا عَلَى صِقِلِّيَّةَ ، فَوَصَلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، فَأَوَّلُ سَرِيَّةٍ أَخْرَجَهَا سَرِيَّةٌ فِيهَا وَلَدُهُ مَحْمُودٌ ، فَقَصَدَ سَرْقُوسَةَ فَغَنِمَ ، وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ ، وَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ ، وَعَادَ ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَهْلُ رَغُوسَ . ( وَقَدْ جَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ أَنَّ أَهْلَ رَغُوسَ اسْتَأْمَنُوا فِيهَا ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ ، وَلَا نَعْلَمُ أَهَذَا اخْتِلَافٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ ، أَمْ هُمَا غَزَاتَانِ ، وَيَكُونُ أَهْلُهَا قَدْ غَدَرُوا بَعْدَ هَذِهِ الدُّفْعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) . وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فُتِحَتْ مَدِينَةُ نُوطَسَ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِهَا أَخْبَرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْضِعٍ دَخَلُوا مِنْهُ إِلَى الْبَلَدِ فِي الْمُحَرَّمِ ، فَغَنِمُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً ، ثُمَّ فَتَحُوا شَكْلَةَ بَعْدَ حِصَارٍ . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ إِلَى سَرْقُوسَةَ ، ثُمَّ إِلَى جَبَلِ النَّارِ ، فَأَتَاهُ ( رُسُلُ ) أَهْلِ طَبَرْمِينَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ فِي ذَلِكَ ، ( فَتَمَّ الْأَمْرُ ) ، ثُمَّ غَدَرُوا ، فَأَرْسَلَ خَفَاجَةُ مُحَمَّدًا فِي جَيْشٍ إِلَيْهَا ، فَفَتَحَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا . ( وَفِيهَا أَيْضًا سَارَ خَفَاجَةُ إِلَى رَغُوسَ ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ لِيُطْلِقَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا بِأَمْوَالِهِمْ ، وَدَوَابِّهِمْ ، وَيَغْنَمَ الْبَاقِيَ ، فَفَعَلَ وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ مَالٍ ، وَرَقِيقٍ ، وَدَوَابَّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَادَنَهُ أَهْلُ الْغَيْرَانِ وَغَيْرُهُمْ ، وَافْتَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً ، ثُمَّ مَرِضَ ، فَعَادَ إِلَى بَلَرْمَ . وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ مِنْ بَلَرْمَ إِلَى مَدِينَةِ سَرْقُوسَةَ وَقَطَانِيَّةَ ، وَخَرَّبَ بِلَادَهَا ، وَأَهْلَكَ زُرُوعَهَا ، وَعَادَ وَسَارَتْ سَرَايَاهُ إِلَى أَرْضِ صِقِلِّيَّةَ ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً . وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَارَ خَفَاجَةُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا عَلَى الْحَرَّاقَاتِ ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى سَرْقُوسَةَ فَغَنِمُوا ، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ بِطْرِيقًا قَدْ سَارَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ ، فَوَصَلَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ ، فَلَقِيَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَ الرُّومُ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً ، وَرَحَلَ خَفَاجَةُ إِلَى سَرْقُوسَةَ ، فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا ، وَغَنِمَ مِنْهَا ، وَعَادَ إِلَى بَلَرْمَ ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي الْبَحْرِ ، مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ ، إِلَى مَدِينَةِ غَيْطَةٍ ، فَحَصَرَهَا ، وَبَثَّ الْعَسَاكِرَ فِي نَوَاحِيهَا ، فَغَنِمَ وَشَحَنَ مَرَاكِبَهُ بِالْغَنَائِمِ ، وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَرْمَ فِي شَوَّالَ . وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ سَيَّرَ خَفَاجَةُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا إِلَى مَدِينَةِ طَبْرَمِينَ ، وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ مُدُنِ صِقِلِّيَّةَ ، فَسَارَ فِي صَفَرَ إِلَيْهَا ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُمْ مَنْ وَعَدَهُمْ أَنْ يُدْخِلَهُمْ إِلَيْهَا مِنْ طَرِيقٍ يَعْرِفُهُ ، فَسَيَّرَهُ مَعَ وَلَدِهِ ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهَا تَأَخَّرَ مُحَمَّدٌ ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ عَسْكَرِهِ رَجَّالَةً مَعَ الدَّلِيلِ ، فَأَدْخَلَهُمُ الْمَدِينَةَ ، وَمَلَكُوا بَابَهَا وَسُورَهَا ، وَشَرَعُوا فِي السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ ، وَتَأَخَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَفَاجَةَ فِيمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ فِيهِ ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أَوْقَعَ بِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ السَّبْيِ ، فَخَرَجُوا عَنْهَا مُنْهَزِمِينَ ، وَوَصَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ ، فَرَأَى الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهَا ، فَعَادَ رَاجِعًا . وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ خَرَجَ خَفَاجَةُ وَسَارَ إِلَى مَرَسَةَ ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ إِلَى سَرْقُوسَةَ ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ ، فَاقْتَتَلُوا ، فَوَهَنَ الْمُسْلِمُونَ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ ، وَرَجَعُوا ( إِلَى خَفَاجَةَ ) ، فَسَارَ إِلَى سَرْقُوسَةَ ، فَحَصَرَهَا ، ( وَأَقَامَ عَلَيْهَا ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَفْسَدَ بِلَادَهَا ، وَأَهْلَكَ زَرْعَهُمْ ، وَعَادَ عَنْهَا يُرِيدُ بَلَرْمَ ، فَنَزَلَ بِوَادِي الطِّينِ وَسَارَ مِنْهُ لَيْلًا ، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ ، فَطَعَنَهُ طَعْنَةً فَقَتَلَهُ ، وَذَلِكَ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ ) ، وَهَرَبَ الَّذِي قَتَلَهُ إِلَى سَرْقُوسَةَ ، وَحُمِلَ خَفَاجَةُ إِلَى بَلَرْمَ ، فَدُفِنَ بِهَا . وَوَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ ، فَأَقَرَّهُ عَلَى الْوِلَايَةِ ، وَسَيَّرَ لَهُ الْعَهْدَ وَالْخِلَعَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية