الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مُرَادُهُمَا لَلَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَيًا مَيِّتًا، مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا، قَادِرًا عَاجِزًا، إِذَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا أَحَدَ الضِّدَّيْنِ وَأَرَادَ الْآخَرُ الضِّدَّ الْآخَرَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ الرُّبُوبِيَّةَ. وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا، لَزِمَ ارْتِفَاعُ الْقِسْمَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، فِيمَا لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا. وَإِنْ نَفَذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَانَ النَّافِذُ مُرَادُهُ هُوَ الرَّبُّ الْقَادِرُ، وَالْآخَرُ عَاجِزًا لَيْسَ بِرَبٍّ، فَلَا يَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا اخْتَلَفَتْ إِرَادَتُهُمَا، فَيَجُوزُ اتِّفَاقُ إِرَادَتِهِمَا. أَجَابُوا بِأَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَا فِي الْآخِرَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ مَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا نَفْسَ مَفْعُولِ الْآخَرِ، فَإِنَّ اسْتِقْلَالَ أَحَدِهِمَا بِالْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ، يَمْنَعُ اسْتِقْلَالَ الْآخَرِ بِهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ هَذَا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَفْعُولِ هَذَا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ: 91]. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ الْعَالِمَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ارْتِبَاطًا يُوجِبُ أَنَّ الْفَاعِلَ هَذَا لَيْسَ هُوَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ فَاعِلِ الْآخَرِ، لِاحْتِيَاجِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ إِلَى بَعْضٍ. وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ تَمَانُعِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اخْتِلَافِ إِرَادَتِهِمَا. وَذَلِكَ أَمْرٌ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا قَادِرًا، فَإِنَّهُمَا إِذَا كَانَا قَادِرَيْنِ، لَزِمَ جَوَازُ اخْتِلَافِ الْإِرَادَةِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اخْتِلَافُ الْإِرَادَةِ، بَلْ يَجِبُ اتِّفَاقُ الْإِرَادَةِ، كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ قُدْرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا وَيَفْعَلَ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ وَيَفْعَلُهُ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَادِرًا، إِلَّا إِذَا جَعَلَهُ الْآخَرُ قَادِرًا، وَلَزِمَ أَنْ لَا يَقْدِرَ أَحَدُهُمَا إِلَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْآخَرُ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَادِرًا، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُرِيدَ وَيَفْعَلَ، إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ وَيَفْعَلُهُ، وَالْآخَرُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فَوْقَهُمَا أَحَدٌ يَجْعَلُهُمَا قَادِرَيْنِ مُرِيدَيْنِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِرًا مُرِيدًا، حَتَّى يَكُونَ الْآخَرُ قَادِرًا مُرِيدًا. وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَعَلَ الْآخَرَ قَادِرًا مُرِيدًا، كَانَ هَذَا دَوْرًا قَبْلِيًّا، وَهُوَ دَوْرٌ فِي الْفَاعِلِينَ وَالْعِلَلِ. كَمَا لَوْ قِيلَ: لَا يُوجَدُ هَذَا حَتَّى يُوجِدَهُ هَذَا، وَلَا يُوجَدَ هَذَا حَتَّى يُوجِدَهُ الْآخَرُ، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، وَلَمْ يُنَازِعِ الْعُقَلَاءُ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَهَذَا يُسَمَّى الدَّوْرَ الْقِبْلِيَّ. بِخِلَافِ مَا إِذَا قِيلَ: لَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، وَلَا هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، كَالْأُمُورِ الْمُتَلَازِمَةِ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى الدَّوْرَ الْمَعِيَّ الِاقْتِرَانِيَّ. وَذَلِكَ جَائِزٌ، كَمَا إِذَا قِيلَ: ذَاتُ الرَّبِّ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهَا، وَصِفَاتُهُ اللَّازِمَةُ لَهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ ذَاتِهِ، وَقِيلَ: لَا تَكُونُ حَيَاتُهُ إِلَّا مَعَ عِلْمِهِ، وَلَا عِلْمُهُ وَحَيَاتُهُ إِلَّا مَعَ قُدْرَتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ قُدْرَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَفَادَةً مِنْ قُدْرَةِ الْآخَرِ. وَإِنْ قِيلَ: بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرٌ مُرِيدٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَفِيدَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ مِنَ الْآخَرِ. وَهُوَ دَوْرٌ مَعِيٌّ لَا قَبْلِيٌّ، كَانَ هَذَا أَيْضًا بَاطِلًا. فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قُدْرَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَلَزِمَ أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا، قُدْرَةً لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ تَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَهَذَا حَقٌّ. وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُدِّرَ رُبَّانِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا قُدْرَةً لَازِمَةً لِذَاتِهِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مُمْكِنًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ قَادِرًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الْفِعْلِ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ، لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ. وَحِينَئِذٍ فَيَمْتَنِعُ وُجُودَ رَبَّيْنِ: كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا بِنَفْسِهِ عَلَى الْفِعْلِ، أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْعَلَ دُونَ الْآخَرِ، وَأَمْكَنَ الْآخَرُ أَنْ يَفْعَلَ دُونَهُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدَهُمَا شَيْئًا، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ فَاعِلًا لَهُ، أَوْ شَرِيكًا فِيهِ، مَعَ اسْتِقْلَالِ الْأَوَّلِ بِفِعْلِهِ، فَيَلْزَمُ عَجْزُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَمَّا يَفْعَلُهُ الْآخَرُ، وَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إِنْ لَمْ يُمَكِّنْهُ الْآخَرُ مِنْهُ، فَلَا يَفْعَلُهُ هُوَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَاجِزًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ، فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَيَلْزَمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ هَذَا قَادِرًا إِلَّا إِذَا كَانَ الْآخَرُ غَيْرَ قَادِرٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا غَيْرَ قَادِرٍ، وَهَذَا جَمْعٌ ثَانٍ بَيْنِ النَّقِيضَيْنِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْخَالِقَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالْفِعْلِ. وَهَذَا وَحْدَهُ بُرْهَانٌ كَافٍ. وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْدَرَ مِنَ الْآخَرِ، فَيَلْزَمُ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَلِهَذَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَهَابِ كُلِّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَمِنْ عُلُوِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، بُرْهَانٌ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ: 91]. فَجَعَلَ هُنَا لَازِمَيْنِ، كُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ. أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ فَإِنَّ الْإِلَهَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا مُسْتَقِلًّا بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ، لَا يَحْتَاجُ فِي كَوْنِهِ قَادِرًا إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قُدْرَةُ أَحَدِهِمَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ قَادِرًا، كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا. فَإِنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ قَادِرًا: إِنْ كَانَ مَخْلُوقًا لَهُ، فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَخْلُوقَ قَادِرًا، فَلَوْ كَانَ الْمَخْلُوقُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ قَادِرًا، كَانَ هَذَا دَوْرًا مُمْتَنِعًا، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ خَالِقًا لِلْخَالِقِ. وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفَسِهِ مِثْلَهُ. كَانَ الْقَوْلُ فِي قُدْرَتِهِ كَالْقَوْلِ فِي قُدْرَةِ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِ، ثَبَتَ الْمُدَّعَى. وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا حَتَّى يَجْعَلَهُ ذَلِكَ الْآخَرُ قَادِرًا، وَهَذَا دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَوْجُودًا أَوْ عَالِمًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا وَعَالِمًا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقَادِرًا وَعَالِمًا، مُسْتَفَادًا مِنَ الْآخَرِ وَمَفْعُولًا لَهُ، فَلَا يَكُونُ هَذَا حَتَّى يُكَوِّنَهُ هَذَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا حَتَّى يُكَوِّنَهُ هَذَا. فَلَا يَكُونُ هَذَا وَلَا هَذَا. وَهَذَا أَعْظَمُ امْتِنَاعًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكُونُ الشَّيْءُ حَتَّى يَكُونَ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ نَفْسِهِ فَاعِلَةً لِنَفْسِهِ وَمُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، فَكَوْنُهُ فَاعِلًا لِفَاعِلِ نَفْسِهِ، وَمُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُتَقَدِّمِ عَلَى نَفْسِهِ، أَبْلَغَ فِي الِامْتِنَاعِ. فَإِذَا كَانَ يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَاحِدُ قَادِرًا، حَتَّى جَعَلَ نَفْسَهُ قَادِرًا، فَكَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ قَادِرًا، حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ قَادِرًا -أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ نَفْسَهُ قَادِرًا حَتَّى يَكُونَ هُوَ قَادِرًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ قَادِرًا غَيْرَ قَادِرٍ. وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قَادِرًا أَلَّا يَجْعَلَ الْآخَرَ، أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا غَيْرَ قَادِرٍ مَرَّتَيْنِ: حِينَ جَعَلَ مَجْعُولَهُ قَادِرًا، وَحِينَ جَعَلَهُ مَجْعُولُهُ قَادِرًا. وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنَ الْمَعَالِمِ الْبَدِيهِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ لِمَنْ تَصَوَّرَهُ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْرِيرٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْإِلَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالْفِعْلِ، فَاسْتِقْلَالُهُ بِالْفِعْلِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فَاعِلًا لَهُ وَمُشَارِكًا لَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْتَاجُ مَخْلُوقُ هَذَا إِلَى مَخْلُوقِ هَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ حَاجَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ، وَيَكُونُ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمًا لِفِعْلِ الْآخَرِ مَلْزُومًا لَهُ، وَالْمَلْزُومُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ لَازِمِهِ، فَيَلْزَمُ الْعَجْزُ عَنِ الِانْفِرَادِ بِالْفِعْلِ، وَذَلِكَ بِنَفْيِ الْقُدْرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية