الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بَعْدَ هَذَا: لَمْ أَقُلْ لَمْ يَزَلِ الْخَالِقُ يَخْلُقُ وَلَمْ يَزَلِ الْفَاعِلُ يَفْعَلُ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ صِفَةٌ، وَاللَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ. وَقَدْ أَثْبَتَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِعْلًا مَقْدُورًا لِلَّهِ هُوَ صِفَةٌ لَهُ لَيْسَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ بِهِ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَجْعَلُ الْخَلْقَ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ، وَالْفِعْلَ غَيْرَ الْمَفْعُولِ، وَأَنَّ الْفِعْلَ صِفَةٌ لِلَّهِ، مَقْدُورٌ لِلَّهِ، إِذَا شَاءَ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ. يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْخَلْقُ - الَّذِي يُسَمَّى التَّكْوِينَ - مِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ قَدِيمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَقْدُورًا مُرَادًا، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي بِهِ يُخْلَقُ الْخَلْقُ مَقْدُورٌ لَهُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَقُومُ بِذَاتِ اللَّهِ عِنْدَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ، وَمَا كَانَ مَوْجُودًا مَقْدُورًا لِلَّهِ فَهُوَ مُرَادٌ لَهُ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ أَقَرَّ بِشْرٌ أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ، وَقُلْتُ أَنَا: إِنَّهُ أَحْدَثَهَا بِأَمْرِهِ وَقَوْلِهِ عَنْ قُدْرَتِهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَوْلَ يَكُونُ عَنْ قُدْرَتِهِ، فَجَعَلَ قَوْلَ اللَّهِ مَقْدُورًا لَهُ مَعَ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ عِنْدَهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ، وَإِنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَوْلَ لَازِمٌ لَهُ، لَا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيَّ يُثْبِتُ أَنَّهُ يَقُومُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ قَدِيمًا، وَإِنْ كَانَ النَّوْعُ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا ؛ لِأَنَّ بِشْرًا لَمَّا قَالَ لَهُ: أَحْدَثَهَا بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ، قَالَ لَهُ: أَفَلَيْسَ تَقُولُ: لَمْ يَزَلْ قَادِرًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَتَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَلْزَمَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّهُ خُلِقَ بِالْفِعْلِ الَّذِي كَانَ بِالْقُدْرَةِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَلَا مَخْلُوقًا ثُمَّ وُجِدَ مَخْلُوقٌ، لَمْ يَكُنْ قَدْ وُجِدَ بِقُدْرَةٍ بِلَا فِعْلٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْقُدْرَةِ كَافِيًا فِي وُجُودِهِ بِلَا فِعْلٍ لَلَزِمَ مُقَارَنَةَ الْمَخْلُوقِ لِلْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ. وَهَذَا الْمَقَامُ هُوَ الْمَقَامُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ انْتِفَاءَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ نَفْسَ الْقَادِرِ يُرَجِّحُ أَحَدَ طَرَفَيْ مَقْدُورٍ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ إِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ كَمَا تَقُولُهُ الْكُلَّابِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِشْرٌ. يَبْقَى هُنَا سُؤَالٌ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ بِشْرٌ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: وَأَنْتَ أَيْضًا يَلْزَمُكَ أَنْ تَقُولَ: لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ وَيَخْلُقُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ إِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى سَبَبٍ حَادِثٍ كَفَتِ الْقُدْرَةُ الْقَدِيمَةُ، وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى سَبَبٍ حَادِثٍ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِ ذَلِكَ السَّبَبِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي حَدَثَ بِهِ، فَيَلْزَمُ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ، فَيَلْزَمُكَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ وَيَخْلُقُ، فَيَكُونُ الْمَخْلُوقُ مَعَهُ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِأَنِّي لَمْ أَقُلْ "لَمْ يَزَلِ الْخَالِقُ يَخْلُقُ، وَلَمْ يَزَلِ الْفَاعِلُ يَفْعَلُ، لِيَلْزَمَنِي مَا قُلْتُ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ صِفَةٌ، وَاللَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ" وَفِي النُّسْخَةِ الْأُخْرَى: "وَإِنَّمَا قُلْتُ: لَمْ يَزَلِ الْخَالِقُ سَيَخْلُقُ، وَالْفَاعِلُ سَيَفْعَلُ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ صِفَةٌ، وَاللَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ". وَمَضْمُونُ كَلَامِهِ: أَنَّنِي لَمْ أَقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ الْمُنْفَصِلَةَ وَيَفْعَلُهَا، وَلَا يَلْزَمُنِي هَذَا كَمَا لَزِمَكَ، لِأَنَّكَ جَعَلْتَ الْمَخْلُوقَاتِ تَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنَ الْقَادِرِ يَقُومُ بِهِ، فَإِذَا لَمْ تَتَوَقَّفِ الْمَخْلُوقَاتُ عَلَى غَيْرِ الْقُدْرَةِ، وَالْقُدْرَةُ قَدِيمَةٌ، لَزِمَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَهَا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَالْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ دَائِمَةٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَوُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ لَا يَتَرَجَّحُ وَجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ يَجِبُ وَجُودِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكَانَ قَابِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَيَبْقَى مُمْكِنًا كَمَا كَانَ، فَلَا يَتَرَجَّحُ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ تَامٍّ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ وُجُودَ الْقُدْرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعَهَا وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يُوجَدُ الْمَخْلُوقُ مَعَ مُجَرَّدِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ يَفْعَلُهُ الرَّبُّ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية