الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ الرَّازِيُّ: الْوَجْهُ الثَّانِي: "لَوْ كَانَتْ أَدْوَارُ الْفَلَكِ مُتَعَاقِبَةً لَا إِلَى أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَ كُلِّ حَرَكَةٍ عَدُمَ لَا إِلَى أَوَّلٍ، وَتِلْكَ الْعَدَمَاتُ مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَزَلِ، وَلَيْسَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنَ الْوُجُودَاتِ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّابِقُ مُقَارِنًا لِلْمَسْبُوقِ، فَلِمَجْمُوعِ الْوُجُودَاتِ أَوَّلٌ". قَالَ الْأَرْمَوِيُّ: "وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ عَنَيْتَ بِاجْتِمَاعِهَا تَحَقُّقَهَا بِأَسْرِهَا مَعًا حِينًا مَا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ حِينٍ يُفْرَضُ إِلَّا وَيَنْتَهِي وَاحِدٌ مِنْهَا فِيهِ لِوُجُودِ الْحَرَكَةِ الَّتِي هِيَ عَدَمُهَا، ضَرُورَةَ تَعَاقُبِ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ لَا إِلَى أَوَّلٍ، وَإِنْ عَنَيْتَ بِهِ أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ فِي بِدَايَاتِ تِلْكَ الْعَدَمَاتِ كَمَا فِي بِدَايَاتِ الْوُجُودَاتِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اجْتِمَاعِ بَعْضِ الْوُجُودَاتِ مَعَهَا الْمَحْذُورُ". قُلْتُ: مَضْمُونُ هَذَا: أَنَّ عَدَمَ كُلِّ حَرَكَةٍ يَنْتَهِي بِوُجُودِهَا، فَلَيْسَتِ الْأَعْدَامُ مُتَسَاوِيَةً فِي النِّهَايَاتِ، فَلَا تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَثْبُتُ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ لِوُجُودِ حَادِثٍ يَزُولُ بِهِ عَدَمُهُ، وَلَكِنْ لَا بِدَايَةَ لِكُلِّ عَدَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَزَلْ مَعْدُومًا قَبْلَ حُدُوثِهِ، بِخِلَافِ الْحَرَكَاتِ، فَإِنَّ لِكُلٍّ بِدَايَةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَارِنَ الْوُجُودُ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ، كَمَا يُقَارِنُ الْوُجُودُ الْبَاقِي الْأَزَلِيُّ عَدَمَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَالْمُسْتَدِلُّ يَقُولُ: عَدَمُ كُلٍّ حَادِثٌ ثَابِتٌ فِي الْأَزَلِ، وَالْمُعْتَرِضُ يَقُولُ: نَعَمْ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ الْجِنْسِ ثَابِتٌ فِي الْأَزَلِ. وَلَيْسَ الْجِنْسُ حَادِثًا، حَتَّى يَكُونَ مَسْبُوقًا بِعَدَمِ الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا الْحَادِثُ أَفْرَادُهُ، كَمَا فِي دَوَامِهِ فِي الْأَبَدِ. فَلَيْسَ لِعَدَمِ الْمَجْمُوعِ تَحَقُّقٌ فِي الْأَزَلِ، وَالْعَدَمُ السَّابِقُ لِأَفْرَادِ الْحَرَكَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ اللَّاحِقِ لَهَا. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ تِلْكَ الْأَعْدَامَ مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَبَدِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَجْمُوعِ وَعَدَمِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ: فَرْقٌ ظَاهِرٌ، وَالْمُسْتَدِلُّ يَقُولُ: عَدَمُ كُلِّ وَاحِدٍ أَزَلِيٌّ، فَمَجْمُوعُ الْأَعْدَامِ أَزَلِيٌّ. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ حَادِثٌ، فَالْمَجْمُوعُ حَادِثٌ، أَوْ كُلُّ حَادِثٍ فَلَهُ بِدَايَةٌ فَالْمَجْمُوعُ لَهُ بِدَايَةٌ، وَبِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ حَادِثٍ فَلَهُ انْقِضَاءٌ ؛ فَمَجْمُوعُ الْحَوَادِثِ لَهُ انْقِضَاءٌ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مَسْبُوقٌ بِغَيْرِهِ، فَالْمَجْمُوعُ مَسْبُوقٌ بِغَيْرِهِ. فَإِذَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُ عَنِ الْمُسْتَدِلِّ: قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: "إِنْ عَنَيْتَ بِاجْتِمَاعِهَا تَحَقُّقَهَا بِأَسْرِهَا مَعًا حِينًا مَا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ حِينٍ يُفْرَضُ إِلَّا وَيَنْتَهِي وَاحِدٌ مِنْهَا فِيهِ" لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَزَلِ. قَالَ الْمُتَكَلِّمُ عَنِ الْمُعْتَرِضِ: لَيْسَ الْأَزَلُ ظَرْفًا مُعَيَّنًا يُقَدَّرُ فِيهِ وُجُودٌ أَوْ عَدَمٌ، كَمَا أَنَّ الْأَبَدَ ظَرْفًا مُعَيَّنًا يُقَدَّرُ فِيهِ وُجُودٌ أَوْ عَدَمٌ، وَلَكِنْ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ أَزَلِيًّا: أَنَّهُ مَا زَالَ مَوْجُودًا، أَوْ لَيْسَ لِوُجُودِهِ ابْتِدَاءٌ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَبَدِيًّا، أَنَّهُ لَا يَزَالُ مَوْجُودًا، أَوْ لَيْسَ لِوُجُودِهِ انْتِهَاءٌ. وَمَعْنَى كَوْنِ عَدَمِ الشَّيْءِ أَزَلِيًّا: أَنَّهُ مَا زَالَ مَعْدُومًا حَتَّى وُجِدَ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُهُ مُقَارِنًا لِوُجُودِ غَيْرِهِ. وَقَائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْعَدَمَاتِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَصْلًا، بَلْ مَا مِنْ حَالٍ يُقَدَّرُ إِلَّا فِيهِ عَدَمُ بَعْضِهَا وَوُجُودُ غَيْرِهِ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: "إِنَّ الْعَدَمَاتِ مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَزَلِ" فَرْعُ إِمْكَانِ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَعْدَامِ، وَاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَعْدَامِ مُمْتَنِعٌ. وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية