الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْحُجَّةُ وَالِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ لِلْحَقِيقَةِ تَنْقَسِمُ إِلَى ذَاتِيٍّ وَعَرَضِيٍّ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَنْطِقِ، فَإِنَّ تَقْسِيمَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْحَقِيقَةِ إِلَى مَا هُوَ ذَاتِيٌّ دَاخِلٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَمَا هُوَ عَرَضِيٌّ خَارِجٌ عَنْهَا: قَوْلٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، بَلِ الدَّلِيلُ يَقُومُ عَلَى نَقِيضِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَمْ يُحَدِّدِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا حَدًّا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، بَلْ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الضَّوَابِطِ مُنْتَقِضٌ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا كَانَتِ الصِّفَتَانِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالثُّبُوتِ وَالِانْتِفَاءِ، لَا تُوجَدُ هَذِهِ إِلَّا مَعَ هَذِهِ، وَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ انْتَفَتْ هَذِهِ: كَانَ التَّفْرِيقُ بِجَعْلِ إِحْدَاهُمَا مُقَوَّمَةً وَالْأُخْرَى عَرَضِيَّةً تَحَكُّمًا. ثُمَّ إِذَا قِيلَ: الذَّاتُ هِيَ الْمُرَكَّبَةُ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، وَالصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ مَا لَا تُتَصَوَّرُ الذَّاتُ إِلَّا بِهَا، لَمْ تُعْرَفِ الذَّاتُ إِلَّا بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَا الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ إِلَّا بِالذَّاتِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ بَاطِلٌ ضَعِيفٌ. وَأَيْضًا، فَالذَّاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ الْقَائِمَةُ بِنَفْسِهَا كَهَذَا الْإِنْسَانِ: إِنْ قِيلَ: "إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ عَرَضَيْنِ" لَزِمَ كَوْنُ الْجَوْهَرِ مُرَكَّبًا مِنْ عَرَضَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَا سَابِقَيْنِ لَهُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي الْبَدِيهَةِ، وَإِنْ قِيلَ: "إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوْهَرَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ" لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَوْهَرَانِ، أَحَدُهُمَا: حَيَوَانٌ، وَالْآخَرُ: نَاطِقٌ، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ، إِذْ هُوَ حَيَوَانٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ نَاطِقٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْنُ الْحُصُولِ الَّذِي هُوَ مَسْبُوقٌ بِحُصُولٍ آخَرَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ، وَإِذَا افْتَرَقَ الشَّيْئَانِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلَ حَقِيقَةِ الْآخَرِ. فَإِنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ هُمَا الْمُشْتَرِكَانِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، فَإِذَا وَجَبَ لِأَحَدِهِمَا مَا لَا يَجِبُ لِلْآخَرِ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ. وَلِلْأَرْمَوِيِّ أَنْ يَقُولَ: قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقَةِ الْمَنْطِقِيِّينَ، أَوْ بِطَرِيقَةِ سَائِرِ أَهْلِ النَّظَرِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ مَا ذَكَرُوهُ، كَمَا أَنْكَرَ سَائِرُ طَوَائِفِ أَهْلِ النَّظَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَطَوَائِفِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا بَسْطَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا. قَالَ الرَّازِيُّ: "وَإِنَّمَا قُلْنَا السُّكُونُ لَا يَمْتَنِعُ زَوَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ يُسَلِّمُ جَوَازَ حَرَكَةِ كُلِّ جِسْمٍ، وَلِأَنَّ الْمُتَحَيِّزَ يَجُوزُ خُرُوجُهُ مِنْ حَيِّزِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَسِيطًا كَانَتْ طَبَائِعُ جَوَانِبِهِ مُتَسَاوِيَةً ؛ فَيَجُوزُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا كَانَ هَذَا لَازِمًا لِبَسَائِطِهِ، وَخُرُوجُهُ عَنْ حَيِّزِهِ هُوَ الْحَرَكَةُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا يَقْتَضِي إِمْكَانَ كَوْنِ نَوْعِ الْجِسْمِ يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ السُّكُونَ وُجُودِيٌّ وَلَهُ مُوجِبٌ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، كَانَ امْتِنَاعُ الْحَرَكَةِ لِمَعْنًى آخَرَ يَخْتَصُّ بِهِ الْجِسْمُ الْمُعَيَّنُ لَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَجْسَامِ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ أَزَلِيٌّ أَنَّهُ يُمْكِنُ زَوَالُهُ، بَلْ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، فَمَا قُدِّرَ مَوْجُودًا أَزَلِيًّا لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِحَالٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، وَقَبُولُ كُلِّ جِسْمٍ لِلْحَرَكَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية