الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: "إِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ عَارِضٌ بِسَبَبِ الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالْغَيْرِ" لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لَهُ، فَإِنَّهُ يَعْقِلُ التَّضَادَّ بَيْنَهُمَا مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالْبَالِ، كَمَا يُعْقَلُ التَّضَادُّ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: "لَيْسَ جَعْلُ السُّكُونِ عِبَارَةً عَنْ عَدَمِ الْحَرَكَةِ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ" دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ، بَلْ هَذِهِ الدَّعْوَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَيْسَ جَعْلُ الْعَمَى عَدَمَ الْبَصَرِ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَيْسَ جَعْلُ الصَّمَمِ عَدَمِ السَّمْعِ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَيْسَ جَعْلُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَيْسَ جَعْلُ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَدَمًا وَالْآخَرِ وَجُودًا بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ دَعَاى مُجَرَّدَةٌ بَلْ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالْحِسِّ أَنَّ الْحَرَكَةَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ، وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ هُوَ ضِدَّ مَا يُنَافِيهَا أَوْ عَدَمَهَا مِنْ مَحَلِّهَا فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُقَلَاءُ فِي هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ يَكُونُ لَفْظِيًّا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، مِثْلِ الْحَيَاةِ مَثَلًا، فَإِنَّ عَدَمَ حَيَاةِ الْبَدَنِ مَثَلًا مُسْتَلْزِمٌ لِأَعْرَاضٍ وُجُودِيَّةٍ. وَالنَّاسُ تَنَازَعُوا فِي الْمَوْتِ: هَلْ هُوَ عَدَمِيٌّ أَوْ وُجُودِيٌّ؟ وَمَنْ قَالَ: "إِنَّهُ وُجُودِيٌّ" احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [ سُورَةِ الْمُلْكِ: 2] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَوْتَ كَمَا خَلَقَ الْحَيَاةَ، وَمُنَازِعُهُ يَقُولُ: الْعَدَمُ الطَّارِئُ يُخْلَقُ كَمَا يُخْلَقُ الْوُجُودُ، أَوْ يَقُولُ: الْمَوْتُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْأُمُورُ الْوُجُودِيَّةُ اللَّازِمَةُ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي الظُّلْمَةِ: هَلْ هِيَ وُجُودِيَّةٌ أَوْ عَدَمِيَّةٌ. وَهِيَ عَدَمُ النُّورِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ قَبُولُهُ، وَمَنْ قَالَ: "إِنَّهَا وُجُودِيَّةٌ" يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: 1] وَالْآخَرُ يَقُولُ: كُلُّ مَا يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ مِنَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالْعَدَمِيَّةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ جَاعِلُهُ، أَوْ يَقُولُ: عَدَمُ النُّورِ مُسْتَلْزِمٌ لِأُمُورٍ وُجُودِيَّةٍ، هِيَ الظُّلْمَةُ الْمَجْعُولَةُ، وَكَوْنُ السُّكُونِ وُجُودِيًّا أَبْعَدُ مِنْ كَوْنِ الْمَوْتِ وَالظُّلْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وُجُودِيًّا، وَالسُّكُونُ قَدْ يُرَادُ بِهِ قُوَّةٌ فِي الْجِسْمِ تَمْنَعُ حَرَكَتَهُ، كَالطَّبِيعَةِ الَّتِي فِي الْحَجَرِ الَّتِي تُوجِبُ اسْتِقْرَارَهُ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، لَكِنْ مَنْ قَالَ "إِنَّ السُّكُونَ عَدَمِيٌّ" لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الطَّبِيعَةَ هِيَ السُّكُونَ، بَلْ قَدْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ السُّكُونِ وَالِاعْتِمَادِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَهُ: فَالْجِسْمُ إِذَا كَانَ سَاكِنًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ السُّكُونُ وُجُودِيًّا أَوْ مُسْتَلْزِمًا لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُقْتَضَى لِذَلِكَ الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ: إِمَّا مُوجَبٌ بِنَفْسِهِ، وَيُسَاقُ الدَّلِيلُ إِلَى آخِرِهِ، لَكِنْ مَنْ قَالَ: "إِنَّ الْجِسْمَ الْأَوَّلَ كَانَ سَاكِنًا فِي الْأَزَلِ ثُمَّ تَحَرَّكَ" يَقُولُ فِي هَذَا مَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: "حَدَثَتْ هِيَ وَحَرَكَتُهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهَا" قَالَ لَهُمْ هَذَا الْمُنَازِعُ: بَلْ كَانَ مَا قُدِّرَ قَدِيمًا مِنَ الْأَجْسَامِ سَاكِنًا، ثُمَّ حَدَثَتْ حَرَكَتُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حَرَكَتَهَا، وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَوَّلَ جِسْمٌ، وَإِنَّهُ يَتَجَدَّدُ لَهُ الْفِعْلُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَاعِلًا، وَيَقُولُ: الْكَلَامُ فِي حُدُوثِ الْفِعْلِ الْقَائِمِ بِهِ كَالْكَلَامِ فِي حُدُوثِ الْمَفْعُولِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ تَنَازَعُوا فِي ثُبُوتِ جِسْمٍ قَدِيمٍ: فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: بِامْتِنَاعِ جِسْمٍ قَدِيمٍ، وَحُدُوثِ كُلِّ جِسْمٍ، وَتَنَازَعُوا فِي الْمُحْدِثِ لِلْجِسْمِ، هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدَثًا بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ أَصْلًا، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ؟ وَهَلْ تَقُومُ بِهِ أُمُورٌ حَادِثَةٌ كَإِرَادَةٍ حَادِثَةٍ، وَتَصَوُّرٍ حَادِثٍ، بَلْ وَفِعْلٍ حَادِثٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لَهُمْ. وَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِثُبُوتِ جِسْمٍ قَدِيمٍ: ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا مُتَحَرِّكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ تَجَدَّدَ لَهُ الْفِعْلُ وَالْحَرَكَةُ، فَإِذَا احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْجِسْمَ لَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَخْلُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالْحَرَكَةُ لَا تَكُونُ أَزَلِيَّةً، لِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَتَسَلْسُلِهَا، وَالسُّكُونُ لَا يَكُونُ أَزَلِيًّا لِأَنَّهُ وُجُودِيٌّ، فَلَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَامْتَنَعَ زَوَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُودِيَّ الْأَزَلِيَّ يَمْتَنِعُ زَوَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَهُ إِمَّا مُوجَبٌ بِنَفْسِهِ أَوْ لَازِمٌ لِلْمُوجَبِ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: وَالسُّكُونُ يَجُوزُ زَوَالُهُ فَلَا يَكُونُ أَزَلِيًّا. أَجَابُوهُمْ عَنْ جَوَازِ الْحَوَادِثِ بِأَجْوِبَتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَجَابُوهُمْ عَلَى السُّكُونِ الْأَزَلِيِّ بِأَنْ قَالُوا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي حُدُوثِ الْأَجْسَامِ. وَذَلِكَ أَنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ بِحُدُوثِهَا فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَقُولُونَ بِجَوَازِ تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَقُولُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية