الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَإِذَا قِيلَ لَهُ: قَوْلُكَ "إِنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ" قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ وَسَلْبٌ عَامٌّ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُجُودِهِ مُحَالٌ، وَالنَّافِي عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ؟ وَهَلْ عَلِمْتَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، أَمْ بِنَظَرٍ مُشْتَرِكٍ، أَمْ بِضَرُورَةٍ اخْتَصَصْتَ بِهَا، أَمْ بِنَظَرٍ اخْتَصَصْتَ بِهِ؟ فَإِنْ كَانَ بِالضَّرُورَةِ الْمُشْتَرِكَةِ وَجَبَ أَنْ يُشْرِكَكَ نُظَرَاؤُكَ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ بِنَظَرٍ مُشْتَرِكٍ، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ الَّذِي تَشْتَرِكُ فِيهِ أَنْتَ وَهُمْ؟ وَإِنْ كَانَ بِضَرُورَةٍ مُخْتَصَّةٍ أَوْ نَظَرٍ مُخْتَصٍّ، فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ، لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّكَ تَدَّعِي أَنَّ هَذَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ، وَيَلْزَمُهُمْ مُوَافَقَتُكَ فِيهِ، وَتَدَّعِي أَنَّهُمْ إِذَا نَاظَرُوكَ كَانُوا مُنْقَطِعِينَ مَعَكَ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ دَعْوَاكَ الِاخْتِصَاصَ بِعِلْمِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنَّ اخْتِصَاصَكَ بِعِلْمِ ذَلِكَ ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا إِنَّمَا يَكُونُ لِاخْتِصَاصِكَ بِمَا يُوجِبُ تَخْصِيصَكَ بِذَلِكَ، كَمَنْ خُصَّ بِنُبُوَّةٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ، وَأَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ فِيمَا تَدَّعِي إِمْكَانَهُ. وَلَا تَدَّعِي اخْتِصَاصَكَ بِالْعِلْمِ بِإِمْكَانِهِ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ غَيْرَكَ مُوَافَقَتُكَ فِي ذَلِكَ، إِنْ لَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ دَلِيلًا يُوجِبُ مُوَافَقَتَكَ، سَوَاءٌ كَانَ سَمْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، وَأَنْتَ تَدَّعِي أَنَّ هَذَا مِنَ الْعُلُومِ الْمُشْتَرِكَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي نَشَأَ مِنْهُ التَّنَازُعُ أَوِ الِاشْتِبَاهُ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَتَفْرِيقُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ مَا سَمَّوْهَا نَفْسِيَّةً وَذَاتِيَّةً، وَمَا سَمَّوْهَا مَعْنَوِيَّةً، يُشْبِهُ تَفْرِيقَ الْمَنْطِقِيِّينَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ مَا سَمَّوْهُ ذَاتِيًّا مُقَوِّمًا دَاخِلًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَمَا سَمَّوْهُ عَرَضِيًّا خَارِجًا عَنِ الذَّاتِ، مَعَ كَوْنِهِ لَازِمًا لَهَا. وَتَفْرِيقُهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ لَازِمِ الْمَاهِيَّةِ وَلَازِمِ وُجُودِ الْمَاهِيَّةِ. كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبُيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوقَ إِنَّمَا تَعُودُ عِنْدَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ يُسَمَّى مَاهِيَّةً، وَبَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ يُسَمَّى وُجُودَهَا، وَأَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْمَعَانِي وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْأَلْفَاظِ: لَهُ لَفْظٌ دَلَّ عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، وَلَهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَعْنَى هُوَ جُزْءُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ دَالٌّ عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ، وَلَهُ مَعْنًى يَلْزَمُهُ خَارِجٌ عَنْهُ، فَهُوَ اللَّازِمُ لِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْخَارِجُ عَنْهَا. وَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ، وَتِلْكَ الْمَاهِيَّةُ الَّتِي فِي الذِّهْنِ، هِيَ بِحَسْبِ مَا يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ مِنْ صِفَاتِ الْمَوْصُوفِ. تَكْثُرُ تَارَةً وَتَقِلُّ تَارَةً، وَتَكُونُ تَارَةً مُجْمَلَةً وَتَارَةً مُفَصَّلَةً، وَأَمَّا الصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ لِلْمَوْصُوفِ فِي الْخَارِجِ فَكُلُّهَا لَازِمَةٌ لَهُ، لَا تَقُومُ ذَاتُهُ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، كَمَا قَدْ يَزْعُمُونَهُ مِنْ أَنَّ الذَّاتِيَّ يَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، وَتِلْكَ الصِّفَاتُ هِيَ أَجْزَاءُ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَصَوَّرَةُ فِي الذِّهْنِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ كُلِّ صِفَةٍ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، إِذَا قُلْتَ: جِسْمٌ حَسَّاسٌ نَامٍ مُغْتَذٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ، وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ كَالْإِنْسَانِ، فَصِفَاتُهُ قَائِمَةٌ بِهِ حَالَّةٌ فِيهِ، لَيْسَتْ أَجْزَاءُ الْحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ سَابِقَةً عَلَيْهَا سَبْقَ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، كَمَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ يَتَوَهَّمُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْغَالِطِينَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ: "إِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَوْصُوفِ" يُشْبِهُ قَوْلَ أُولَئِكَ: "إِنَّ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ الْعَرَضِيَّةَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَوْصُوفِ"، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَلْبِيسٌ وَاشْتِبَاهٌ، حَادَ بِسَبَبِهِ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ الْأَذْكِيَاءِ، وَكَثُرَ بَيْنَهُمُ النِّزَاعُ وَالْجِدَالُ، وَالْقِيلُ وَالْقَالُ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ضَعْفِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبٌ لِمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية