الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوجه الثالث: أن يقال: أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين والاستواء، وهذا قول ابن كلاب والحارث [ ص: 381 ] المحاسبي وأبي العباس القلانسي والأشعري وقدماء أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم، وهو قول أبي بكر بن فورك، وقد حكي إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد، وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي، كما هو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل والشريف أبي علي وابن الزاغوني، وأبي الحسن التميمي وأهل بيته كابنه أبي الفضل ورزق الله وغيرهم، كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السنة والحديث، وليس للأشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان، بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها، بل يبطل تأويلات من ينفيها، ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها، ثم لهم في التأويل والتفويض قولان. فأول قولي أبي المعالي التأويل، كما ذكره في «الإرشاد»، وآخرهما التفويض كما ذكره في «الرسالة النظامية»، وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل، وأنه محرم. [ ص: 382 ]

وأما أبو الحسن وقدماء أصحابه فهم من المثبتين لها. وقد عد القاضي أبو بكر في «التمهيد» و«الإبانة» له الصفات القديمة: خمس عشرة صفة، ويسمون هذه الصفات الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية، وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل محمد بن جرير الطبري وأمثاله، وهو قول أئمة أهل السنة والحديث من السلف وأتباعهم، وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم.

وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية، لم يكن يظهر بينهم غيره حتى جاء من وافق المعتزلة على نفيها، وفارق طريقة هؤلاء. وأصل هؤلاء أنهم يثبتون الصفات بالسمع وبالعقل، بخلاف من اقتصر على الثمانية، فإنه لم يثبت صفة إلا بالعقل. وقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل، كما أثبت أبو أسحق الإسفراييني صفة اليد بالعقل، وكما يثبت كثير من المحققين صفة الحب والبغض والرضى والغضب بالعقل. [ ص: 383 ]

القول الثاني: قول من ينفي هذه الصفات، كما ذكره الشهرستاني وغيره، وهو أضعف الأقوال، فإن عمدته أنه لو كان لله صفة غير ذلك لوجب أن ينصب عليها دليلا نعلمه، ولم ينصب، فلا صفة له، وكلتا المقدمتين باطلة، فإن دعوى المدعي أنه لا بد أن ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلا. باطل، ودعواه أنه لم ينصب دليلا إلا نعلمه هو أيضا باطل، كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد.

والثالث: قول الواقفة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة، لكن يقولون: لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته، وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية، وهذا اختيار الرازي والآمدي وغيرهما.

التالي السابق


الخدمات العلمية