الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإذا قال: إن أحد هذين وجد بالآخر فهذا إنما يعقل إذا كان الآخر موجودا، وذاك الآخر لا يكون موجودا بنفسه، لا يكون موجودا إلا بغيره، وذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، ليس هو أي غير كان، بل لا بد من غير يحصل به وجوده، ووجوده بحيث يستغنى به عما سواه، فلذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، من شرطه أن يكون مستقلا بإبداع الممكن، لا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه. فمتى قدر أنه محتاج إلى غيره، كان الممكن محتاجا إلى هذا الغير وإلى هذا الغير، فلا يحصل وجوده بأحد الغيرين، بل لا بد منهما، وكذلك لو قدر من الأغيار ما يقدر، فلا بد أن يكون ما يفتقر إليه الممكن غير محتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، وليس في الممكنات ما هو بهذا الشرط، بل كل منها يحتاج إلى غيره، فلو قدر أن الممكن يوجد بممكن إلى نهاية أو غير نهاية، والجملة [ ص: 203 ] الممكنة توجد بالأفراد، لكان الغير الذي يفتقر إليه الممكن محتاجا إلى غيره، مع أن كلا من المحتاجين لا يغني عن نفسه شيئا أصلا ألبتة.

يزيد هذا إيضاحا أن الممكن مع عدم المقتضي التام يكون ممتنعا لا ممكنا، وأعني بالمقتضي التام الذي يلزم من وجوده وجود المقتضي، لكن يكون ممتنعا لغيره، فإذا كان كل من الممكنات له علة ممكنة، والعلة الممكنة ليست مقتضيا تاما، فإنها لا توجد إلا بغيرها، إذ الممكن مفتقر إلى غيره، فوجوده مجردا عن مقتضيه ممتنع، فضلا عن أن يكون مقتضيا لغيره، فإذا لم يكن مع شيء من الممكنات مقتض تام، كان كل منها ممتنعا، وتقدير ممتنعات لا نهاية لها يوجب قوة امتناعها، ويمتنع مع ذلك أن تكون جملتها ممكنة، فضلا عن أن تكون واجبة. فتبين بذلك أن جملة العلل الممكنات التي لا تتناهى جملة ممتنعة، فامتنع أن يقال: هي موجودة معلولة للأفراد، لأن الممتنع لا يكون موجودا لا معلولا ولا غير معلول.

يبين ذلك أن تقدير معلول لا علة له ممتنع، والممكن الموجود معلول لغيره، فإذا قدر علل ممكنة لا تتناهى كان كل منها معلولا فقد قدر معلولات لا تتناهى. ومن المعلوم بالضرورة أن وجود معلولات لا تتناهى لا يقتضي استغناءها عن العلة. وإذا قيل: إن الجملة معلولة للآحاد فقد ضم معلول إلى معلولات لا تتناهى، وذلك لا يقتضي استغناءها عن العلة. [ ص: 204 ]

فتبين أن من توهم كون العلل الممكنة التي لا تتناهى، التي هي معلولات لا تتناهى، يمكن أن يكون لها معلول لا يتناهى، فإنما قدر ثبوت معلولات لا تتناهى ليس فيها علة. وإذا كانت المعلولات المتناهية لا بد لها من علة، فالمعلولات التي لا تتناهى أولى بذلك، فإن طبيعة المعلول تستلزم الافتقار إلى العلة. وهذا يظهر باعتبار المعاني التي يوصف بها الممكن، فإنه معلول مفتقر مبدع مصنوع مدبر مفعول، لا يوجد بنفسه، لا يستحق الوجود، فإذا قدر واحد من هذا النوع كان ذلك مستلزما لعلته وموجبه وصانعه وفاعله ومبدعه، وإذا قدر اثنان كان الاستلزام أعظم، وإذا قدر ما لا يتناهى كان الاستلزام أعظم، فإنه إذا كان الواحد منها بدون الواجب ممتنعا، فالاثنان ممتنع وممتنع، وتقدير ما لا يتناهى من هذا تقدير ممتنعات لا تتناهى.

التالي السابق


الخدمات العلمية