الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما قوله: إن التركيب شرط في وجود الأجزاء.

فيقال له: لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها، ولا يمكن أن توجد صفاتها إلا بوجودها، فاجتماع الذات بالصفات، واجتماع الأمور المتلازمة شرط في وجود كل منها، وهي أيضا شرط في وجود ذلك الاجتماع، وليس شيء من ذلك معلولا لفاعل ولا مفتقرا إلى مباين، وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور الاقتراني المعي، لا من باب الدور السبقي القبلي، والأول جائز، والثاني ممتنع، فإن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض، وليس بعضها فاعلا لبعض، بل إن كانت واجبة الوجود بنفسها، وإلا افتقرت كلها إلى فاعل. [ ص: 421 ]

والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب الوجود بنفسه، وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها، فذلك ممتنع لنفسه، فضلا عن أن يكون واجب الوجود.

واتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة، سواء سمي تركيبا أو لم يسم، لا يوجب افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل، ولا علة فاعلة، ولا ما يشبه ذلك، وأما كون بعضها مستلزما لبعض ومشروطا به، ولا يوجد إلا معه، وثبوته متوقف عليه ونحو ذلك، فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع، لكن يعلم أن الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة، وصفاتها لا تكون إلا بها.

وإذا سمى المسمي هذا افتقارا، وسمى هذه أجزاء، وسمى هذا الاجتماع تركيبا، لم يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقرا إلى فاعل، وما جعله افتقارا ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة، وإنما هو تلازم، ومن سماه افتقارا لا يمكنه أن يفسره إلا لافتقار المشروط إلى الشرط والشرط إلى المشروط.

ومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه، وإنما الممتنع أن يفتقر إلى مباين له، فيكون وجود الواجب متوقفا على وجود [ ص: 422 ] مباين، فإن كان المباين علة له لم يكن موجودا بنفسه، بل ممكنا له فاعل وعلة، وإن قدر أنه شرط فيه وهو غني عنه، وما كان وجوده مشروطا بما هو غني عنه لم يكن موجودا بنفسه، فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات الموصوفة بصفات الكمال متوقفا على شيء مباين له، بل ولا على شيء غني عنه بوجه من الوجوه، لا على فاعل ولا شرط.

وهذا هو الذي يقوم عليه الدليل، فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها لا توجد إلا بغيرها، وما كان خارجا عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه، ونفسه هي الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة، ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة.

التالي السابق


الخدمات العلمية