الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالْعُلُومُ الْفِطْرِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ حَاصِلَةٌ مَعَ صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْفِطْرَةِ مَا يُفْسِدُهَا وَيُمْرِضُهَا فَتَرَى الْحَقَّ بَاطِلًا، كَمَا فِي الْبَدَنِ إِذَا فَسَدَ أَوْ مَرِضَ فَإِنَّهُ يَجِدُ الْحُلْوَ مُرًّا، وَيَرَى الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ، فَهَذَا يُعَالَجُ بِمَا يُزِيلُ مَرَضَهُ. وَالْقُرْآنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْأَمْرَاضِ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَنَّ وَسْوَاسَ التَّسَلْسُلِ فِي الْفَاعِلِ يَقَعُ فِي النُّفُوسِ، وَأَنَّهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، فَأَمَرَ عِنْدَ وُرُودِهِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ وَالِانْتِهَاءِ عَنْهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ». وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ. وَزَادَ فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ يَقُولُ: «مَنْ خَلْقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ أَوْ نَحْوُهُ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ». وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» ؟ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّالِكِينَ طَرِيقَةَ هَؤُلَاءِ كَالرَّازِيِّ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هَذَا الْوَسْوَاسِ بِالْبُرْهَانِ الْمُبَيِّنِ لِفَسَادِ التَّسَلْسُلِ وَالدَّوْرِ، بَلْ أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ مَثَلَ هَذَا مَثَلُ مَنْ عَرَضَ لَهُ كَلْبٌ يَنْبَحُ عَلَيْهِ لِيُؤْذِيَهُ وَيَقْطَعَ طَرِيقَهُ، فَتَارَةً يَضْرِبُهُ بِعَصًا وَتَارَةً يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِ الْكَلْبِ أَنْ يَزْجُرَهُ. قَالَ: فَالْبُرْهَانُ هُوَ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ صُعُوبَةٌ. وَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ هُوَ الثَّانِي، وَهُوَ أَسْهَلُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ طَرِيقَةَ الْبُرْهَانِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ طَرِيقَةُ الِاسْتِعَاذَةِ أَكْمَلُ وَأَقْوَى، فَإِنَّ دَفْعَ اللَّهِ لِلْوَسْوَاسِ عَنِ الْقَلْبِ أَكْمَلُ مِنْ دَفْعِ الْإِنْسَانِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. فَيُقَالُ: السُّؤَالُ بَاطِلٌ، وَكُلٌّ مِنْ جَوَابَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْبَاطِلِ، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى النَّفْسِ تَنْدَفِعُ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْبُرْهَانُ. وَالْآخَرُ: الِاسْتِعَاذَةُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ، وَأَنَّ الْمُبَيِّنَ لِفَسَادِ الدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ قَطَعَهُ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْبُرْهَانِ تَقْطَعُ الْأَسْوِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى النَّفْسِ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِطَرِيقَةِ الْبُرْهَانِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية