الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي

الدكتور / عبد المجيد السوسوه الشرفي

المبحث الثاني: الاجتهاد الجماعي في الترجيح

يزخر الفقه الإسلامي بالكثير من المسائل المتعلقة بتنظيم علاقات الناس وتسيير حياتهم، وقد بذل علماؤنا السابقون جهدهم الكبير في الاجتهاد لتلك القضايا، وتقرير الأحكام فيها، ولكن المشكلة في ذلك تتمثل في كثرة الآراء المختلفة والاجتهادات المتعارضة في المسألة الواحدة، مما يجعل من الصعوبة بمكان عند التقنين الأخـذ بجميع تلك الأقـوال في المسألـة، ولا مناص للأمة أن تأخذ بقول واحد فقط من بين تلك الاجتهادات، لتجعله هـو النظام العام والقانون السائد، الذي يجب على كل المجتمع تطبيقه، لينظموا به حياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم، ولا يمكن أن يترك لكل فرد من أبناء المجتمع أن يأخذ من تلك الأقوال والاجتهادات ما يستحسنه، لأن ذلك سيؤدي بالناس إلى الصراع والتناقض فيما يجب أن يكون قانونا للجميع ينظم علاقاتهم، ولأنه إن جاز في المسائل التي تختص بقضايا فردية أن يأخذ كل فرد بأي قول أو اجتهاد شاء، فإن مثل هـذا لا يمكن في المسائل التي تنظم علاقات الناس فيما بينهم، وتعتبر قانونا عاما للأمة جميعا.

ومن هـنا يأتي السؤال: كيف تختار الأمة أحد أقوال السابقين المختلفة في المسألة، لتجعل منه قاعدة قانونية لجميع المجتمع؟ إن هـذا الاختيار يحتاج إلى قدر كبير من الموازنة والمناقشة لتلك الأقوال حتى يفضي هـذا إلى ترجيح أحدها ليكون هـو المختار. وهذا الجهد في الترجيح بين الأقوال هـو نوع من الاجتهاد، ولكن هـذا النوع من الاجتهاد يخشى عليه إذا قام به فرد واحد وخاصة في زمننا هـذا أن يخطئ في الترجيح أو أن يتأثر بنزعة مذهبية أو [ ص: 111 ] رؤية ضيقة فيأتي اختياره وترجيحه بخطأ لا يتوقف أثره على المجتهد وحده أو على واحد من الناس، وإنما يسري أثر ذلك الخطأ على المجتمع كله باعتباره سيطبق ذلك الاختيار قانونا عاما. ومن هـنا كان لا بد أن يتم هـذا النوع من الاجتهاد الترجيحي عبر اجتهاد جماعي، ليكون أكثر دقة في الموازنة والترجيح وأكثر تحريا للأدلة والأقوال، ولما في ذلك من تكامل المجتهدين فيما بينهم من خلال نقاشاتهم ونقدهم لبعضهم، فيأتي ما يتوصلون إليه من حكم أقل احتمالا في الخطأ من الاجتهاد الفردي، وأكثر قربا من الصواب، فرأي الجماعة في الغالب أقرب إلى الصواب من رأي الفرد [1] .

والموازنة بين الأقوال والترجيح بين الأدلة، اجتهاد مقبول في التشريع الإسلامي، وقد ساق له العلماء مجموعة من الأدلة التي تقضي بجوازه ووجوب العمل بالراجح، ليس هـنا محل بسطها، فتراجع في كتب الأصول في باب التعارض والترجيح [2] ، كما أن للترجيح بين الأدلة والموازنة بين الأقوال، قواعد وضوابط وشروطا يجب اتباعها، ومعايير دقيقة يلزم فهمها، ليتوصل بذلك إلى ما هـو الراجح من الأقوال، وتلك القواعد والمعايير مبسوطة في أبواب مخصصة لها، ولا يمكن تناولها هـنا بالشرح والتفصيل، فتراجع في موطنها [3] . [ ص: 112 ]

ولكنا نشير هـنا إلى أنه ينبغي (التخلي عن التمذهب فيما يتعلق بالتقنين للمجتمع والتشريع العام، وأن يؤخذ بالراجح مما في المذاهب من اجتهادات وأقوال، وأليق ما فيها بروح العصر، ومصالح الناس فيه، مهتدين في ذلك بنصوص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة العامة، وروح الإسلام، وهدي السلف الصالح في اجتهادهم واستنباطهم، وأخذهم باليسر وبعدهم عن العسر) [4] ، وأن (إلزام المسلمين باتباع مذهب معين، تحجير ما وسع الله من شرعه، وتضييق دائرة الفقه الرحبة، وثروته الضخمة التي نشأت عن تعدد الآراء والاجتهادات وتنوع المدارس والمشارب، ما بين موسع ومضيق ومتوسط، وما بين ظاهري يتبع حرفية النص، وآخر يتبع الفحوى ويستخدم القياس، وثالث يراعي المصالح والمقاصد.. وفي هـذا البحر الزخار من مذاهب علماء الأمصار، يجد من يريد الاختيار والانتقاء متسعا، وأي متسع، فإذا ضاق عنه مذهب اتسـع له غيـره، وإن أعـوزه رأي لدى إمام فما أحرى أن يجده عند آخر) [5] .

ولذلك يمكن للمجتهدين أن يقوموا بالانتقاء لأرجح الآراء أو الأقوال من خلال (المقارنة بين المذاهب الإسلامية بعضها ببعض لاستبانة وجهات النظر، ومنازع الاجتهاد المختلفة، وما يستند إليه كل منها من أدلة واعتبارات كلية أو جزئية، وذلك لمعرفة أي هـذه الآراء هـو الراجح، أو الأليق بالناس اليوم، وقد يمكن التوفيق بين الآراء والجمع بينها، بجعل كل منها لحالة خاصة) [6] . [ ص: 113 ]

واختيار أرجح الأقوال يتم بناء على قواعد الترجيح المعتبرة، وبما هـو أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، وأليق بظروف العصر [7] ، فمثلا في الفقه الاقتصادي يرجح من الأقوال ما يشد أزر الفقراء ويقلل الفوارق بين الطبقات ويحد من طغيان الأغنياء ويرفع مستوى الفقراء، كأن يرجح قول أبي يوسف : كل ما يضر بالناس حبسه فهو احتكار، سواء كان قوتا أم غيره. وكأن يرجح قـول الشافعـي : إن الفقيـر يعطى من الزكـاة ما يغنيه طول عمره، ولا يحوجه إلى أخذها مرة أخرى، مادام في حصيلة الزكاة متسع لذلك. " وهو ما جاء عن عمر رضي الله عنه في قوله: إذا أعطيتم فأغنوا. "

وكأن يرجح قول ابن تيمية وغيره: إن التسعير جائز بل واجب إذا تلاعب التجار بالأسعار واحتكروا السلع، لرفع الضرر عن الناس، وإلزام التجار بالعدل الذي ألزمهم الله به.

وفي المجال السياسي ينبغي أن يرجح من الأقوال ما يعمق حق الشعوب في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتقييد سلطتهم، وعزلهم إذا خانوا دستور البلاد، كأن يرجح القول بأن الشورى ملزمة لا معلمة، وأن الحاكم يجب أن يمضي تبعا لما تنتهي به الشورى لأهل الحل والعقد، وليس له مخالفة ما انتهت إليه الشورى [8] . [ ص: 114 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية