الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التفكك الأسري (دعوة للمراجعة)

نخبة من الباحثين

أولا: عدم الالتزام ببعض الأسس الشرعية للزواج ابتداء

لا بد أن يبنى الزواج على أسس شرعية حتى يكون بناؤه صلبا، ينعم في ظله الزوجان بالمودة والسعادة، ويكون من ثماره الذرية [ ص: 34 ] الصالحة. ومن هذه الأسس الشرعية ما يتعلق باختيار الزوجة الصالحة واختيار الزوج الصالح والرضا الزواجي. ومما لا شك فيه أن حسن الاختيار له دور حاسم في مستقبل الحياة الزوجية واستقرارها وأمن الأسرة وسلامة النسل. وقد ورد ( عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم ) [1] .

ففي مجال اختيار الزوجة الصالحة يقول تعالى في كتابه العزيز: ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) (البقرة:221) ،

( ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) [2] . وفي ذلك توجيه المقبلين على الزواج لاختيار الزوجة على أساس الدين والعقيدة، دون المعايير الأخرى من مال وحسب وجمال، حتى تبنى الأسرة على أسس متينة ثابتة.

غير أن الممارسات الواقعية تشير إلى أن اختيار الزوجة لا يبنى، في أغلب الأحوال، على الأسس الشرعية من حيث اعتماد معيار الدين أساسا في الاختيار، بل تحول هدف معظم المقبلين على الـزواج [ ص: 35 ] إلى المعـاييـر الأخـرى كجـمـال المـرأة والمكـاسـب المـادية أو الاجتماعية التي سيحققها الزواج والمصاهرة. وغدا الزواج مشروعا ماديا دون الغاية الأسمى وهي تكوين الذرية الصالحة والتحصين من المفاسد. ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختيار الزوجة على أساس آخر غير الدين ( بقوله: من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج إمرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة ليغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك فيه ) [3] .

وقـد ورد ( عـن النـبي صلى الله عليه وسلم قـوله: إياكم وخضـراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء ) [4] .

وفيما يتعلق باختيار الزوج، ينصح الإسلام باختيار الزوج ذي الدين والخلق، مصداقا ( لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) [5] ، وقال " رجل للحسن بن علي : إن لي بنتا، فمن ترى أن أزوجها له؟ فـقـال: زوجـهـا مـمـن اتقى الله، فإن أحبـها أكـرمها وإن أبغـضها لـم يظلمها. " [ ص: 36 ] غير أن الممارسات الواقعية تشير إلى أن الدين لم يعد معيارا لتقيـيم أهليـة الشـاب المقبل على الـزواج، بعد أن تحول الزواج، كما أسلفت، إلى مشروع مادي واجتماعي.

فقد أصبحت الأهلية للزواج مرتبطة، في معظم الأحيان، بوظيفة الزوج ومكانته الاجتماعية، وراتبه الشهري ورصيده في البنك، وممتلكاته وقدرته على الإنفاق على الزوجة وأسرتها بسخاء. وبذا لم يعد مفهوم الزواج في الأسر المسلمة مختلفا عنه في الأسر غير المسلمة، نظرا لضياع المقاصد الشرعية من الزواج، الأمر الذي سرعان ما يفضي إلى تفكك البناء الأسري.

وقد حث الإسلام على ضرورة قبول الزوجين ورضاهما عن بعضهما بعضا لتدعيم الاستقرار الزواجي والبناء الأسري. فالزواج يحقق السكن والمودة والرحمة،

مصداقا لقوله تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (الروم:21) ..

ويرتبط الرضا الزواجي بالمحبة المتبادلة بين الزوجين. أما سوء التوافق بين الزوجين وفقدان حالة التوازن [ ص: 37 ] في العلاقة الزوجية فيؤدي إلى عدم الرضا الزواجي وصعوبة دوام المعاشرة بين الزوجين، وبالتالي انهيار الزواج وفشله.

كما يرتبط الرضا الزواجي بالمنظومة القيمية للزوجين، فقد يعلق بعض الأزواج فشل العلاقة الزوجية وعدم قدرته على توفير الحياة الأسرية الناجحة على شماعة معتقداته بأن "وجه زوجته نحس عليه"، مما قد يؤدي إلى نفور الزوجة وانطوائها ومشاحناتها مع زوجها ومع أفراد الأسرة والآخرين.

وتتفاوت الآثار السلبية الناتجة عن سوء الاختيار وعدم الرضا الزواجي تبعا للفروق القيمية والعمرية والثقافية بين الزوجين والانتماء الطبقي الاجتماعي لهما، مما قد يولد الشعور بالظلم لدى الزوجة وسوء معاملة الزوج لها، وأشكال العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي وغيرها من مظاهر عدم الاستقرار الزواجي الذي قد ينتهي بالطلاق في معظم الأحيان.

التالي السابق


الخدمات العلمية