الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                595 [ ص: 254 ] ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فذهب قوم إلى التفريق بين حكم بول الغلام، وبول الجارية قبل أن يأكلا الطعام، فقالوا: بول الغلام طاهر، وبول الجارية نجس.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن ، والأوزاعي ، وابن وهب ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبا ثور ؛ فإنهم فرقوا بين حكم بول الصغير، وبول الصغيرة.

                                                وأعلم أنه أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس، واختلفوا في بول الصبي والصبية إذا كانا رضيعين لا يأكلان الطعام.

                                                فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: بول الصبي والصبية كبول الرجل. وبه قال الثوري ، والحسن بن حي .

                                                وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام. وهو قول ابن وهب .

                                                وقال الشافعي: بول الصبي ليس بنجس، ولا يبين لي فرق ما بين الصبي والصبية، ولو غسل كان أحب إلي.

                                                وقال الطيبي: بول الصبية يغسل غسلا، وبول الصبي يتبع بماء، وهو قول الحسن البصري .

                                                وقال النووي: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض ، عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر وينضح فحكاية باطلة قطعا.

                                                قلت: هذا إنكار من غير برهان، ولم ينقل هذا عن الشافعي وحده، بل نقل عن مالك أيضا، أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر، وكذا نقل عن الأوزاعي وداود الظاهري .

                                                [ ص: 255 ] ثم قال النووي : وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا:

                                                الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات.

                                                والثاني: أنه يكفي النضح فيهما.

                                                والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهما شاذان ضعيفان.

                                                وممن قال بالفرق: علي بن أبي طالب ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وابن وهب من أصحاب مالك، وروي عن أبي حنيفة .

                                                وأما حقيقة النضح هنا فقد [1\ق152-أ] اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه: أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عصر لا يعصر، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء [وتردده] وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر في المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار.

                                                ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف.

                                                وقال ابن حزم في "المحلى": وممن فرق بين بول الغلام وبول الجارية أم سلمة: -أم المؤمنين- وعلي بن أبي طالب ولا مخالف لهما من الصحابة، وبه يقول قتادة ، والزهري وقال: مضت السنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح والحسن والأوزاعي

                                                [ ص: 256 ] والشافعي وأحمد إلا أنه قد روي عن الحسن: التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا.




                                                الخدمات العلمية