الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5349 34 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله: "ولا يتمنين" وأبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري محمد بن مسلم، وأبو عبيد مصغر العبد هو مولى ابن أزهر واسمه سعد بن عبيد، وابن أزهر هو الذي ينسب إليه عبد الرحمن [ ص: 227 ] ابن أزهر بن عوف، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم إلى قوله: "فسددوا" بطرق مختلفة منها عن بشر بن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لن ينجي أحدا منكم عمله قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله برحمته ولكن سددوا". ومنها عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يدخله عمله الجنة، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني ربي برحمة". ومنها عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد ينجيه عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتداركني الله منه برحمة" ومنها عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة إلى آخره نحو رواية البخاري. ومنها عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله" الحديث.

                                                                                                                                                                                  قوله: "لن يدخل" بضم الياء مضارع معلوم وفاعله قوله: "عمله" وأحدا بالنصب مفعوله، والجنة نصبت أيضا بتقدير في الجنة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "إلا أن يتغمدني الله" بالغين المعجمة يقال: تغمده الله برحمته أي: غمره بها وستره بها وألبسه رحمته، وإذا اشتملت على شيء فغطيته فقد تغمدته أي: صرت له كالغمد للسيف، وأما الاستثناء فهو منقطع.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: كل المؤمنين لا يدخلون الجنة إلا أن يتغمدهم الله بفضله، فما وجه تخصيص الذكر برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

                                                                                                                                                                                  قلت: تغمد الله له بعينه مقطوع به، أو إذا كان له بفضل الله فلغيره بالطريق الأولى أن يكون بفضله لا بعمله.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: قال الله تعالى: وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون

                                                                                                                                                                                  قلت: الباء ليست للسببية بل للإلصاق أو المصاحبة" أي: أورثتموها مصاحبة أو ملابسة لثواب أعمالكم.

                                                                                                                                                                                  ومذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، بل ثبوتهما بالشريعة حتى لو عذب الله تعالى جميع المؤمنين كان عدلا، ولكنه أخبر بأنه لا يفعل بل يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين. والمعتزلة يثبتون بالعقل الثواب والعقاب، ويجعلون الطاعة سببا للثواب موجبة له، والمعصية سببا للعقاب موجبة له. والحديث يرد عليهم.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فسددوا" أي: اطلبوا السداد أي: الصواب، وهو ما بين الإفراط والتفريط، أي: فلا تغلوا ولا تقصروا واعملوا به، فإن عجزتم عنه "فقاربوا" أي: اقربوا منه، ويروى فقربوا أي: قربوا غيركم إليه، وقيل: "سددوا" معناه اجعلوا أعمالكم مستقيمة، وقاربوا أي: اطلبوا قربة الله عز وجل.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ولا يتمنين" بنون التأكيد الخفيفة في رواية غير الكشميهني، لفظه نفي بمعنى النهي، وفي روايته "ولا يتمن" بحذف التحتية والنون بلفظ النهي.

                                                                                                                                                                                  قوله: "إما محسنا" تقديره إما أن يكون محسنا، ويروى "إما محسن" على تقدير: "إما هو محسن".

                                                                                                                                                                                  قوله: "وإما مسيئا" فعلى الوجهين المذكورين. قوله: "أن يستعتب" من الاستعتاب وهو طلب زوال العتب، وهو استفعال من الإعتاب الذي الهمزة فيه للسلب لا من العتب، وهو من الغرائب، أو من العتبى وهو الرضا، يقال: "استعتبته فأعتبني" أي: استرضيته فأرضاني، قال الله عز وجل: وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين والمقصود أن يطلب رضا الله بالتوبة ورد المظالم.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية