الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4128 [ 2165 ] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (5753 وَ 5772) وَمُسْلِمٌ (2225) (116) وَأَبُو دَاوُدَ (3922) وَالتِّرْمِذِيُّ (2825) وَالنَّسَائِيُّ (6 \ 220) وَابْنُ مَاجَهْ (86). المفهم وَ " الشُّؤْمُ " نَقِيضُ الْيُمْنِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةُ، وَالْفَرَسُ، وَالدَّارُ " وَقَدْ تَخَيَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّطَيُّرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: " لَا طِيَرَةَ " وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا طِيَرَةَ إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَمَنْ تَشَاءَمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا نَزَلَ بِهِ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَعَضَّدَ هَذَا بِمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: "الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ" وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ مَالِكًا أَخَذَ بِحَدِيثِ الشُّؤْمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَحَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ، فَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنَ الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: رُبِّ دَارٍ سَكَنَهَا قَوْمٌ فَهَلَكُوا، وَآخَرُونَ بَعْدَهُمْ فَهَلَكُوا - وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَيُعَضِّدُ هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ، فَذَهَبَ الْعَدَدُ وَقَلَّ الْمَالُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعُوهَا ذَمِيمَةً". قُلْتُ: وَلَا يُظَنُّ بِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ هُوَ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُ فِيهَا وَتَفْعَلُ عِنْدَهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تُقْدِمُ عَلَى مَا تَطَيَّرَتْ بِهِ وَلَا تَفْعَلُهُ بِوَجْهٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطِّيَرَةَ تَضُرُّ قَطْعًا، فَإِنَّ هَذَا ظَنٌّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَكْثَرُ مَا يَتَشَاءَمُ النَّاسُ بِهَا لِمُلَازَمَتِهِمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَبَاحَ الشَّرْعُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ، وَيَسْكُنُ لَهُ خَاطِرُهُ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ الشَّرْعُ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعٍ يَكْرَهُهُ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ يَكْرَهُهَا، بَلْ قَدْ فَسَحَ لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، لَكِنْ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَثَرٌ فِي الْوُجُودِ، وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَجْذُومِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَجْرِي فِي كُلِّ مُتَطَيَّرٍ بِهِ، فَمَا وَجْهُ خُصُوصِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ؟ فَالْجَوَابُ مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوُجُودِ، وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْهَا وَمِنْ مُلَازَمَتِهَا غَالِبًا، فَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَاؤُمُ بِهَا، فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّارِ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْوَبَاءِ؟ فَإِنَّ الدَّارَ إِذَا تُطُيِّرَ بِهَا فَقَدْ وُسِّعَ لَهُ فِي الِارْتِحَالِ عَنْهَا، وَمَوْضِعُ الْوَبَاءِ قَدْ مُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ! فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْأُمُورَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَمْ يَقَعِ التَّأَذِّي بِهِ وَلَا اطَّرَدَتْ عَادَةٌ بِهِ خَاصَّةٌ وَلَا عَامَّةٌ، لَا نَادِرَةٌ وَلَا مُتَكَرِّرَةٌ، فَهَذَا لَا يَصْغَى إِلَيْهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّرْعُ الِالْتِفَاتَ إِلَيْهِ، كَلَقْيِ غُرَابٍ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ، أَوْ صُرَاخِ بُومَةٍ فِي دَارٍ، فَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا طِيَرَةَ " وَ"لَا تَطَيَّرُوا" وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْتَبِرُهُ وَتَعْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لِقَاءِ الْغُرَابِ وَلَا دُخُولِ الْبُومَةِ دَارًا مَا يُشْعِرُ بِأَذًى وَلَا مَكْرُوهٍ، لَا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ وَلَا التَّكْرَارِ. وَثَانِيهَا: مَا يَقَعُ بِهِ الضَّرَرُ وَلَكِنَّهُ يَعُمُّ وَلَا يَخُصُّ، وَيَنْدُرُ وَلَا يَتَكَرَّرُ، كَالْوَبَاءِ، فَهَذَا لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالْحَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَلَا يُفَرُّ مِنْهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَ الضَّرَرُ إِلَى الْفَارِّ فَيَكُونُ سَفَرُهُ سَبَبًا فِي مِحْنَتِهِ وَتَعْجِيلًا لِهَلَكَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَثَالِثُهَا: سَبَبٌ يَخُصُّ وَلَا يَعُمُّ، وَيَلْحَقُ مِنْهُ الضَّرَرُ بِطُولِ الْمُلَازَمَةِ كَالدَّارِ وَالْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ، فَيُبَاحُ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ وَضَحَ الْجَوَابُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَوْجُهًا أُخَرَ: مِنْهَا: أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ عَنْ غَالِبِ عَادَةِ مَا يُتَشَاءَمُ بِهِ لَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ; لِأَنَّهُ تَعْطِيلٌ لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَنِ الْفَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لِبَيَانِهَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ الشُّؤْمَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَسْكَنِ ضِيقُهُ وَسُوءُ جِيرَانِهِ، وَفِي الْمَرْأَةِ سُوءُ خُلُقِهَا وَأَلَّا تَلِدَ، وَفِي الْفَرَسِ جِمَاحُهُ وَأَلَّا يُغْزَى عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَلِيقُ بِالْحَدِيثِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ مُرَادُ الشَّرْعِ مِنْ فَاسِدِ الْحَدِيثِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية