الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُمْكِنًا، لَكَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا، وَمَعَ هَذَا فَمَا مِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَدْرَكَ بِنَفْسِهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ، وَفَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] . وَقَالَ: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 55] . كَمَّا خَصَّ مُوسَى بِالتَّكْلِيمِ، فَلَا يُمْكِنُ عَامَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ مُحَمَّدٍ أَنْ يُدْرِكَ بِنَفْسِهِ مَا أَرَاهُ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ. فَإِذَا كَانَ إِدْرَاكُ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لِلرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ؟! وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَ هَذَا يَظُنُّ أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى مِنْ جِنْسِ الْإِلْهَامَاتِ الَّتِي تَقَعُ لِآحَادِ النَّاسِ، وَلِهَذَا ادَّعَوْا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ، كَمَا سَمِعَهُمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَلَهُ فِي كِتَابِ مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أُصُولِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ مَا لَا يَرْضَاهُ لَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى، وَمِنْ هُنَاكَ مَرَقَ صَاحِبُ "خَلْعِ النَّعْلَيْنِ" وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ، كَصَاحِبِ "الْفُصُوصِ" ابْنِ عَرَبِيٍّ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعَهُمْ إِنَّمَا يَسْتَفِيدُونَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ. وَتِلْكَ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ كَوْنُ الْوُجُودِ وَاحِدًا، لَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ وُجُودُ الْخَالِقِ عَنْ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ، وَادَّعَى أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحَى بِهِ إِلَى الرَّسُولِ، وَخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامٍ بَاطِلٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمُ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانِ، فَلَمْ يَصِلُوا بِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ. وَلَكِنَّ هَذَا بَنَاهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ عَلَى أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ: أَخْرَجُوهُ فِي قَالَبِ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ. وَالْمَلَكُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا يَتَخَيَّلُ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ مِنَ الصُّورَةِ الْخَيَالِيَّةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلنَّبِيِّ ثَلَاثَ خَصَائِصَ: إِحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ يُنَالُ بِهَا الْعِلْمُ بِلَا تَعَلُّمٍ. الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ يُؤَثِّرُ بِهَا فِي هَيُولَى الْعَالَمِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرَى وَيَسْمَعَ فِي نَفْسِهِ بِطَرِيقِ التَّخَيُّلِ مَا يَتَمَثَّلُ لَهُ مِنَ الْحَقَائِقِ، فَيَجْعَلُونَ مَا يَرَاهُ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَيَسْمَعُونَهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا وُجُودُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ لَا فِي الْخَارِجِ. وَخَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَهُمْ يَأْخُذُ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةَ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إِلَى تَخَيُّلٍ، وَمَنْ كَانَ هَذَا قَوْلَهُ قَالَ: إِنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي إِلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ عِنْدَهُ الْخَيَالُ الَّذِي فِي نَفْسِ النَّبِيِّ، وَهُوَ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ، الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَيَالَ. هَذَا وَأَمْثَالُهُ هُوَ الْمُكَاشَفَةُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنِ اسْتَغْنَى عَنْ تَلَقِّي الْأُمُورِ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ سَلَكُوا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ "الْإِحْيَاءِ" وَأَمْثَالُهُ، مِمَّنْ جَرَى فِي بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى قَانُونِ الْفَلَاسِفَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية