الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلت: فهذا كلام ابن سينا، وهو ونحوه كلام أمثاله من القرامطة الباطنية، مثل صاحب "الأقاليد الملكوتية" وأمثاله من الملاحدة. والكلام على هذا من فنين:

أحدهما: بيان لزوم ما ألزمه لنفاة الصفات، الذين سموا نفيها توحيدا، من الجهمية المعتزلة وغيرهم. [ ص: 19 ]

والثاني: بيان بطلان كلامه وكلامهم الذي وافقوهم عليه.

أما الأول، فإن هؤلاء وافقوه على نفي الصفات، وأن التوحيد الحق هو توحيد الجهمية المتضمن أن الله لا علم له ولا قدرة، ولا كلام ولا رحمة، ولا يرى في الآخرة، ولا هو فوق العالم، فليس فوق العرش إله، ولا على السماوات رب، ومحمد لم يعرج به إلى ربه. والقرآن أحسن أحواله عندهم أن يكون مخلوقا خلقه في غيره، إن لم يكن فيضا فاض على نفس الرسول، وأنه سبحانه لا ترفع الأيدي إليه بالدعاء، ولم يعرج شيء إليه، ولم ينزل شيء منه: لا ملك ولا غيره، ولا يقرب أحد إليه، ولا يدنو منه شيء، ولا يتقرب هو من أحد، ولا يتجلى لشيء، وليس بينه وبين خلقه حجاب، وأنه لا يحب ولا يبغض، ولا يرضى ولا يغضب، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينا للعالم ولا حالا فيه، وأنه لا يختص شيء من المخلوقات بكونه عنده، بل كل الخلق عنده، بخلاف قوله تعالى: وله من في السماوات والأرض ومن عنده [الأنبياء: 19]، وأنه إذا سمي حيا عالما قادرا سميعا بصيرا، فهو حي بلا حياة، عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، إلى أمثال هذه الأمور التي يسمي نفيها الجهمية "توحيدا"، ويلقبون أنفسهم بأهل التوحيد، كما يلقب الجهمية - من المعتزلة وغيرهم - أنفسهم بذلك، وكما لقب ابن [ ص: 20 ] التومرت أصحابه بذلك، إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات: جهم وابن سينا وأمثالهما.

ويقال إنه تلقى ذلك عن من يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم أخرى. ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات، ولهذا لم يذكر في "مرشدته" شيئا من إثبات الصفات، ولا أثبت الرؤية، ولا قال: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها في عقائدهم المختصرة، ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق، موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل الإلحاد، كما يقال إن ابن التومرت ذكره في "فوائده المشرقية": إن الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق، فوجود الخالق يكون مجردا، ووجود المخلوق يكون مقيدا.

التالي السابق


الخدمات العلمية