الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أما من جهة الجملة فمن وجوه:

أحدها: أنه إذا ثبت كونه تعالى عادلا، لا يفعل قبيحا، ولا يخل بواجب في حكمته، وجب أن يكون للآيات التي يتعلقون بها وجوه لا تنافي ما ثبت من الدلالة، وإن لم تعلم الوجوه على سبيل التفصيل.

وقالوا: هذا، كما نقول نحن وهم في الآيات التي تتعلق بها المشبهة في كون الله تعالى جسما، نحو قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان [سورة المائدة: 64] ، وما يجري مجرى ذلك من الآيات التي تفيد ظاهرها التشبيه، من أنه إذا ثبت أنه تعالى لا يشبه الأشياء وجب أن يكون لهذه الآيات وجوه تطابق أدلة العقول، وإن لم نعلمها على سبيل التفصيل.

فهذه الطريق التي سلكها هؤلاء القدرية، هي الطريق التي سلكها من وافقهم على نفي الصفات أو بعضها، من الجهمية، كجهم بن [ ص: 252 ] صفوان، وحسين النجار، وضرار بن عمرو، وغيرهم، فإن هؤلاء يثبتون القدر، ويوافقون المعتزلة على نفي الصفات.

ومن المعلوم أن الحجج العقلية التي يحتج بها المعتزلة والشيعة ليس لها ضابط، بل قد سلك أبو الحسين البصري مسلكا خالف فيه شيوخه، وادعى أن العلم بإحداثها ضروري.

فهذا وأضعافه مما يبين أنه ليس لما يدعى من العقليات التي يقال إنها تناقض النصوص ضابط، بل ذلك من باب الوساوس والخطرات التي لا تزال تحدث في النفوس.

فإذا جوز المجوز أن يكون لبعض ما أخبر الله به ورسوله معقول صريح يناقضه ويقدم عليه، لم يأمن أن يكون كل ما يسمعه من أخبار الله ورسوله من هذا الباب غايته أن يقول: ليس عندي من العقليات ما يناقض ذلك، أو لم أسمع، أو لم أجد، ونحو ذلك.

وهذا القدر لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه بعد، وإذا قال: العقل لا ينفي ما أقر به.

قيل له: أتريد بذلك أنك لم تعلم معقولا ينافي ذلك، أو تعلم أنه ليس يمكن أن يكون في المعقول ما ينافي ذلك، إذا جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار الرسول؟

فإن قلت بالأول، لم ينفعك ذلك.

وإن قلت بالثاني لم يكن كلامك صحيحا، لأنك جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار الرسول. [ ص: 253 ]

ومع هذا فالجزم ينفي كل معقول جزم بلا علم، بخلاف المؤمن بجميع ما أخبر الله به، الذي يجزم بأنه ليس في المعقول ما يناقض منصوص الرسول، فإن هذا قد علم ذلك علما يقينا عاما مطلقا.

وإذا قال الذي يقر ببعض النصوص دون البعض، المضاهي لمن آمن ببعض الكتاب دون بعض: الذي نفيته يحيله العقل، والذي أقررته لا يحيله العقل، بل هو ممكن في العقل.

قيل له: أتعني بقولك: لا يحيله العقل، وهو ممكن في العقل: الإمكان الذهني، أو الخارجي؟

فإن عنيت الإمكان الذهني: بمعنى أنه لم يقم دليل عقلي يحيله، فهذا لا ينفي أن يكون في نفس الأمر ما يحيله ولم تعلمه.

وإن عنيت به الإمكان الخارجي، وهو أنك علمت بعقلك أنه يمكن ذلك في الخارج، فهذا لا يتأتى لك في كثير من الأخبار.

وهؤلاء الذين يدعون أنهم يقررون إمكان ذلك بالعقل، يقول أحدهم: هذا لو فرضناه لم يلزم منه محال، كما يقول ذلك الآمدي ونحوه، أو يقول: هذا لا يفضي إلى قلب الأجناس، ولا تجوير الرب، ولا كذا ولا كذا، فيعددون أنواعا محصورة من الممتنعات.

ومعلوم أن نفي محالات معدودة لا يستلزم نفي كل محال.

التالي السابق


الخدمات العلمية