الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "ثُمَّ هَبْ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، فَأَيْنَ التَّوْحِيدُ وَالدَّلَالَةُ بِالتَّصْرِيحِ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَقِيقَةُ هَذَا الدِّينِ الْقَيِّمِ الْمُعْتَرَفِ بِجَلَالَتِهِ عَلَى لِسَانِ الْحُكَمَاءِ قَاطِبَةً؟ كَلَامٌ صَحِيحٌ، لَوْ كَانَ مَا قَالَهُ النُّفَاةُ حَقًّا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا يَكُونُ التَّوْحِيدُ الْحَقُّ قَدْ بُيِّنَ أَصْلًا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَهُوَ أَضَلُّ مِنْهُمْ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ الرُّسُلَ أَيْضًا لَمْ تُبَيِّنِ التَّوْحِيدَ، بَلْ ذَكَرُوا مَا يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ لِيَنْقَادَ لَهُمُ الْجُمْهُورُ فِي صَلَاحِ دُنْيَاهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَوْحِيدَ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ الَّتِي يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَسَادُهُ، وَلَنَا فِي ذَلِكَ كَلَامٌ مُفْرَدٌ مَكْتُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَأَيْنَ الْإِشَارَةُ إِلَى الدَّقِيقِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُشِيرَةِ إِلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ، مِثْلَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالذَّاتِ، أَوْ عَالِمٌ بِعِلْمٍ، أَوْ قَادِرٌ بِالذَّاتِ، أَوْ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ ... إِلَى آخِرِهِ". فَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ضَلَالِهِ وَإِلْحَادِهِ، حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ التَّعْطِيلَ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَأَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا صِفَاتِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى خَطَئِهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْكِتَابَ بَيَّنَ دَقَائِقَ التَّوْحِيدِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ بِمَا لَا يَكَادُ يُعَدُّ مِنْ آيَاتِهِ، وَذَكَرَ عِلْمَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 255]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 166]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 47] وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 58]. وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 47]، أَيْ بِقُوَّةٍ، وَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 15] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ - حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ -: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ" فَأَيُّ بَيَانٍ لِعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؟

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية