الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَوْلُهُ: "أَوْ قَابِلٌ لِكَثْرَةٍ تَعَالَى عَنْهَا" لَفْظٌ مُمَوَّهٌ، فَإِنَّهُ إِنْ عَنَى كَثْرَةَ الْآلِهَةِ، وَهُوَ لَمْ يَعْنِ ذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْإِلَهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالْقُرْآنُ مَلْآنُ مِنْ نَفْيِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ وَنَفْيِ الشِّرْكِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَإِنْ عَنَى كَثْرَةَ صِفَاتِهِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا أَسْمَاؤُهُ وَآيَاتُهُ فَتَعْلِيَتُهُ الرَّبَّ عَنْهَا كَتَعْلِيَةِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ أَنْ يُدْعَى وَيُعْبَدَ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَتَعْلِيَتُهُمْ لَهُ عَنْ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا مِنَ الْبَشَرِ، فَتَنْزِيهُهُ لَهُ عَنْ صِفَاتِهِ كَتَنْزِيهِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا وَاحِدًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ رَسُولٌ مِنَ الْبَشَرِ. وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ نَفْيَهُمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 60] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [سُورَةُ الرَّعْدِ: 30]. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْمَ الْعَلَمَ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَامًا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالْجَبَّارِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ فِي السُّنَنِ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ. فَإِذَا كَانَتِ الرَّحِمُ مُشْتَقَّةً مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عَلَمًا لَا مَعْنَى فِيهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ: الرَّحِمُ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ فِيمَنْ يُنْكِرُ الرَّحْمَنَ فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ يُنْكِرُ جَمِيعَ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؟ وَحَمِيَّةُ هَذَا الْمُلْحِدِ وَأَمْثَالِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَاتُ حَمِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ شَرٌّ مِنْ حَمِيَّةِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سُورَةُ الْفَتْحِ: 26]، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اصْطَلَحَ هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَكْتُبَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو - وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا - لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ وَلَكِنِ اكْتُبْ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَكَتَبَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". فَهَؤُلَاءِ أَخَذَتْهُمْ حَمِيَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَنُبُوَّةِ رَسُولِهِ. وَالْمَلَاحِدَةُ شَارَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ حَقَائِقَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَحَقِيقَةَ رِسَالَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَايَتُهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهَا مِنْ وَجْهٍ، وَيَكْفُرُوا مَنْ وَجْهٍ كَالَّذِينِ قَالُوا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ. وَيُقَالُ لَهُ: "ذَاتٌ لَا صِفَةَ لَهَا" لَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، بَلْ لَفْظُ "ذَاتٌ" تَأْنِيثُ ذُو، وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا، وَ"ذَاتٌ" مَعْنَاهُ صَاحِبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 119]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 1] وَقَوْلِ خُبَيْبٍ: وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ أَيْ فِي سَبِيلِ الْإِلَهِ وَجِهَتِهِ. ثُمَّ اسْتَعْمَلَهَا أَهْلُ الْكَلَامِ بِالتَّعْرِيفِ فَقَالُوا: "الذَّاتُ" أَيِ الصَّاحِبَةُ، وَالْمَعْنَى: صَاحِبَةُ الصِّفَاتِ. فَتَقْدِيرُ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْإِضَافَةِ بِدُونِ الْإِضَافَةِ مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا كَمَا أَثْبَتَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدَةِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ وُجُودًا مُطْلَقًا: إِمَّا بِشَرْطِ النَّفْيِ، وَإِمَّا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، وَهُمْ قَدْ قَرَّرُوا فِي مَنْطِقِهِمْ مَا لَمْ يُنَازِعْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا وُجُودُهُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَكَيْفَ بِالْمُطْلَقِ الْمَشْرُوطِ بِالنَّفْيِ؟! فَإِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْوُجُودِ مِنَ الْمَشْرُوطِ بِالْإِطْلَاقِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية