الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: الْكُلِّيُّ الطَّبِيعِيُّ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ كَالْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَالْحَيَوَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُوجَدُ مَا يُصَدِّقُ عَلَيْهِ الْمَعْنَى الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِذَا كَانَ فِي الذِّهْنِ كُلِّيًّا، مِثْلَ أَنْ يُوجَدَ الشَّخْصُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنْسَانٌ وَحَيَوَانٌ وَجِسْمٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَّقَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُوجَدُ الْكُلِّيُّ كُلِّيًّا فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَالْمُعَيَّنُ يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَاكَ جُزْءًا مِنْ هَذَا، مُنْحَصِرًا فِي هَذَا؟ وَهُوَ يَصْلُحُ لِأَنَّ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْأَعْيَانِ أَضْعَافُ هَذَا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ الْكَبِيرُ جُزْءًا مِنَ الْقَلِيلِ، وَالْعَظِيمُ جُزْءًا مِنَ الصَّغِيرِ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الذِّهْنَ يَتَصَوَّرُ إِنْسَانًا مُطْلَقًا، لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَيَكُونُ كُلِّيًّا فِي التَّصَوُّرِ وَالذِّهْنِ، فَإِذَا وُجِدَ فَلَا يُوجَدُ إِلَّا مُعَيَّنًا يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ. فَمَنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "الْكُلِّيُّ يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، مَا يُرَادُ بِوُجُودِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ فِي الْخَارِجِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا كَانَ فِي نَفْسِي فَقَدْ حَصَلَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَمَا كَانَ فِي نَفْسِي فَقَدْ فَعَلَهُ زَيْدٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْفِكْرَةِ آخِرُ الْعَمَلِ. وَالْإِنْسَانُ يَتَصَوَّرُ فِي نَفْسِهِ أَشْيَاءَ، ثُمَّ يَفْعَلُ مَا تَصَوَّرَهُ، وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ الَّتِي تَصَوَّرَهَا وَقَصَدَهَا وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ بِعَيْنِهَا، وَلَكِنْ وَجَدَ فِي الْخَارِجِ مَا هُوَ مُطَابِقٌ لَهَا مُوَافِقٌ لَهَا. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا هُوَ هَذَا، كَمَا يُقَالُ لِلْمَكْتُوبِ إِنَّهُ الْمَلْفُوظُ، وَلِلْمَلْفُوظِ إِنَّهُ الْمَعْلُومُ، وَلِلْمَعْلُومُ إِنَّهُ الْمَوْجُودُ، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ لَهَا وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْبَيَانِ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ، فَإِذَا كُتِبَ اسْمُ "زَيْدٍ" وَقِيلَ إِنَّ هَذَا هُوَ زَيْدٌ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْخَطَّ هُوَ الصَّوْتُ، وَلَا أَنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْعِلْمُ، وَلَا أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ، بَلِ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: هَذَا هُوَ زَيْدٌ، فَالْمُرَادُ هَذَا الْمَكْتُوبُ اسْمُهُ زَيْدٌ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية