الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ إِنْكَارُ الْإِنْسَانِ مَا لَا يُحِسُّ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْجُودَ هُوَ مَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ، وَلَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْغَيْبِ، كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَعَنِ الْمَلَائِكَةِ، بَلْ وَإِخْبَارُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، هُوَ مِمَّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْحِسِّ، كَالرُّؤْيَةِ. فَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ، وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ عِيَانًا،، كَمَا يُرَى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَذُّرِ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ فِي حَالِ تَعَذُّرِ رُؤْيَتِهِ فِي حَالٍ أُخْرَى، بَلْ قَدْ يُرَى الشَّيْءُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، كَمَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهَا، بَلْ وَالْجِنُّ يَرَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ بِالْإِحْسَاسِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدِ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ، وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ، كَمَا يَعْلَمُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ، وَهَؤُلَاءِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَعْقَلِ النَّاسِ وَأَعْرَفِهِمْ، فَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [سُورَةُ غَافِرٍ: 56]. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 13]. وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [سُورَةُ غَافِرٍ: 83]. وَأَمَّا حُجَّتُهُ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، فَقَدِ احْتَجَّ بِالْكُلِّيَّاتِ. فَيُقَالُ لَهُ: قَوْلُكَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَحْسُوسَاتِ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ مَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلَ اسْمِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ وُقُوعَهُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَوْجُودٍ. فَيُقَالُ لَهُ: أَتَعْنِي أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْوَاحِدَ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالْعَالِمِ كَالْإِنْسَانِ؟ كَمَا أَنَّ لَفْظَ "إِنْسَانٌ" قَائِمٌ بِالنَّاطِقِ، وَكَمَا أَنَّ خَطَّ زَيْدٍ قَائِمٌ بِاللَّوْحِ الَّذِي فِيهِ الْخَطُّ؟ أَمْ تَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، فِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو أَوْ فِي غَيْرِهِمَا؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَصَحِيحٌ، وَلَا حُجَّةَ لَكَ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَوْلُكَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِ مَنْ يَطْرُدُ قَوْلَكَ، وَيَجْعَلُ لَفْظَ "الْإِنْسَانِ" الْوَاقِعَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، قَائِمًا بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَيَجْعَلُ الْخَطَّ الْمُطَابِقَ لِلَّفْظِ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ عَنِ اللَّوْحِ، قَائِمًا بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْخَطَّ مُطَابِقٌ لِلَّفْظِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ مُطَابِقٌ لِلْمَعْنَى، وَأَنَّ عُمُومَ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ كَعُمُومِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْمُطَابِقِ لَهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية