الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالصُّورَةُ: إِمَّا صُورَةٌ عَرَضِيَّةٌ: كَشَكْلِ الْجِسْمِ، فَالْمَادَّةُ هُنَا هُوَ الْجِسْمُ نَفْسُهُ، وَإِمَّا الصُّورَةُ الَّتِي هِيَ الْمُصَوَّرُ، كَالْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، وَالْمَادَّةِ فِيهَا لَيْسَ لَهَا جَوْهَرٌ يَحْمِلُهَا، بَلْ مَادَّتُهَا مَا مِنْهُ خُلِقَتْ، وَتِلْكَ الْمَادَّةُ اسْتَحَالَتْ إِلَى صُورَةٍ أُخْرَى، وَفَنِيَ الْأَوَّلُ وَعَدِمَ، كَمَا يَفْنَى الْمَنِيُّ إِذَا صَارَ إِنْسَانًا، وَلَيْسَ بَيْنَ مَا اسْتَحَالَ مِنْهُ وَاسْتَحَالَ إِلَيْهِ شَيْءٌ بَاقٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِي أُمُورِ نَوْعِيَّةٍ، كَالْمِقْدَارِ وَنَحْوِهِ. وَالْمُرَكَّبُ الْمَعْقُولُ هُوَ مَا كَانَ مُفْتَرَقًا فَرَكَّبَهُ غَيْرُهُ، كَمَا تُرَكَّبُ الْمَصْنُوعَاتُ مِنَ: الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ وَالْأَبْنِيَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مَنْ أَجْزَائِهَا الْمُفْتَرَقَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ، بَلْ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ مَا لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَكُفْرُهُ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِ وَاضِحٌ. وَقَدْ يُقَالُ "الْمُرَكَّبُ" عَلَى مَا لَهُ أَبْعَاضٌ مُخْتَلِفَةٌ، كَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَخْلَاطِهِ، وَإِنْ كَانَ خُلِقَ كَذَلِكَ مُجْتَمِعًا، لَكِنَّهُ يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالِانْفِصَالَ وَالِانْقِسَامَ، وَاللَّهُ مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَكَّبُ عَلَى مَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالِانْفِصَالَ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا بَسِيطًا كَالْمَاءِ، وَاللَّهُ مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ. فَهَذَا هُوَ التَّرْكِيبُ الْمَعْقُولُ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ، فَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْأَوَّلُ خَاصَّةً، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُرِيدُوهُ بِلَفْظِ الْمُرَكَّبِ. وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ قَدْ يُسَمِّيهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُرَكَّبًا. فَأَمَّا الذَّاتُ [الْمُتَّصِفَةُ] بِصِفَاتٍ لَازِمَةٍ لَهَا، الَّتِي لَهَا حَقِيقَةٌ تَمْتَازُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَتَبَايُنِ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجُوزَ عَلَيْهَا تَفْرِيقٌ وَتَبْعِيضٌ وَتَجْزِئَةٌ وَتَقْسِيمٌ فَهَذِهِ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لَمْ تَكُنْ مِمَّا يُسَمَّى مُرَكَّبًا فِي اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالِاصْطِلَاحِ. وَإِذَا سَمَّى مُسَمٍّ هَذِهِ مُرَكَّبًا: كَانَ إِمَّا غَالِطًا فِي عَقْلِهِ لِاعْتِقَادِهِ اشْتِمَالَهَا عَلَى حَقِيقَتَيْنِ: وُجُودِهَا وَحَقِيقَتِهَا الْمُغَايِرَةِ لِوُجُودِهَا، أَوْ عَلَى حَقِيقَتَيْنِ: ذَاتٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا مَعْقُولَةٍ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ صِفَاتِهَا، وَصِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا قَائِمَةٍ بِهَا - أَوْ عَلَى جَوَاهِرَ مُنْفَرِدَةٍ أَوْ مَعْقُولَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُثْبِتُهَا طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ وَيُسَمُّونَهَا تَرْكِيبًا. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَرْكِيبًا، وَلَوْ سُلِّمَ لَهُمْ ثُبُوتُ مَا يَدَّعُونَهُ لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ مُرَكَّبًا مِنَ اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ، بَلْ هُوَ وَضْعٌ اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْجِسْمَ الَّذِي لَهُ صِفَاتٌ، كَالتُّفَّاحَةِ الَّتِي لَهَا لَوْنٌ وَطَعْمٌ وَرِيحٌ، لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ إِطْلَاقُ كَوْنِهَا مُرَكَّبَةً مِنْ لَوْنِهَا وَطَعْمِهَا وَرِيحِهَا، وَلَا تَسْمِيَةَ ذَلِكَ أَجْزَاءً لَهَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ، بَلْ وَلَا أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَنُطْقِهِ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهَا مَنْ يُسَمِّيهَا مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ تَرْكِيبًا، إِمَّا غَلَطًا فِي الْمَعْقُولَاتِ، وَإِمَّا اصْطِلَاحًا انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَاتِ. فَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَنْفُوا مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالشَّرْعِ............... وَالدُّعَاءِ، وَمُضَاهَاةٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 31]. وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْمُشْرِكُونَ وَأَبْطَلَهَا الْقُرْآنُ، رَأَيْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ - نُفَاةِ الصِّفَاتِ كَابْنِ سِينَا - وَمَنْ ضَاهَاهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا عُلُومًا مَضْنُونًا بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، قَدْ أَثْبَتُوا هَذِهِ الشَّفَاعَةَ الشِّرْكِيَّةَ، وَهَذِهِ الْوَسَائِطَ الْإِفْكِيَّةَ، مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ مَمْلُوءٌ مِنْ ذَمِّ أَهْلِهَا. قَالَ تَعَالَى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 43- 44]. وَقَالَ تَعَالَى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [سُورَةُ يُونُسَ: 18]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 94]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 80]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 56 و57]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سُورَةُ سَبَأٍ: 22، 23]. فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ مُلْكٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ مُظَاهَرَةٌ لَهُ، وَلَمْ يُثْبِتْ مِنَ الشَّفَاعَةِ النَّافِعَةِ إِلَّا مَا كَانَ بِإِذْنِهِ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، كَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَهُ شَفَاعَاتٌ فِي الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُشَفَّعَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، كَمَا اسْتَفَاضَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، كَمَا كَانَ يَدْعُو وَيَشْفَعُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية