الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( قالوا الآن جئت بالحق ) : قرأ الجمهور : بإسكان اللام والهمزة بعده ، وقرأ نافع : بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام ، وعنه روايتان : إحداهما : حذف واو قالوا ، إذ لم يعتد بنقل الحركة ، إذ هو نقل عارض ، والرواية الأخرى : إقرار الواو اعتدادا بالنقل ، واعتبارا لعارض التحريك ؛ لأن الواو لم تحذف إلا لأجل سكون اللام بعدها . فإذا ذهب موجب الحذف عادت الواو إلى حالها من الثبوت . وانتصاب " الآن " على الظرفية ، وهو ظرف يدل على الوقت الحاضر ، وهو قوله لهم : ( إنها بقرة لا ذلول ) إلى ( لا شية فيها ) ، والعامل فيه " جئت " ، ولا يراد بجئت أنه كان غائبا فجاء ، وإنما مجازه نطقت بالحق ، فبالحق متعلق بجئت على هذا المعنى ، أو تكون الباء للتعدية ، فكأنه قال : أجأت الحق ، أي إن الحق كان لم يجئنا فأجأته . وهنا وصف محذوف تقديره بالحق المبين ، أي الواضح الذي لم يبق معه إشكال ، واحتيج إلى تقدير هذا الوصف لأنه في كل محاورة حاورها معهم جاء بالحق ، فلو لم يقدر هذا الوصف لما كان لتقييدهم مجيئه بالحق بهذا الطرف الخاص فائدة .

وقد ذهب قتادة إلى أنه لا وصف محذوف هنا ، وقال : كفروا بهذا القول لأن نبي الله - صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - كان لا يأتيهم إلا بالحق في كل وقت ، وقالوا : ومعنى بالحق : بحقيقة نعت البقرة ، وما بقي فيها إشكال .

( فذبحوها ) : قبل هذه الجملة محذوف ، التقدير : فطلبوها وحصلوها ، أي هذه البقرة [ ص: 258 ] الجامعة للأوصاف السابقة ، وتحصيلها كان بأن الله أنزلها من السماء ، أو بأنها كانت وحشية فأخذوها ، أو باشترائها من الشاب البار بأبويه . وهذا الذي تظافرت عليه أقاويل أكثر المفسرين ، وذكروا في ذلك اختلافا وقصصا كثيرا مضطربا أضربنا عن نقله صفحا كعادتنا في أكثر القصص الذي ينقلونه ، إذ لا ينبغي أن ينقل من ذلك إلا ما صح عن الله تعالى ، أو عن رسوله في قرآن أو سنة .

( وما كادوا يفعلون ) : كنى عن الذبح بالفعل ؛ لأن الفعل يكنى به عن كل فعل . وكاد في الثبوت تدل على المقاربة . فإذا قلت : كاد زيد يقوم ، فمعناه مقاربة القيام ولم يتلبس به ، فإذا قلت : ما كاد زيد يقوم فمعناه نفي المقاربة ، فهي كغيرها من الأفعال وجوبا ونفيا . وقد ذهب بعض الناس إلى أنها إذا أثبتت ، دلت على نفي الخبر ، وإذا نفيت ، دلت على إثبات الخبر ، مستدلا بهذه الآية ؛ لأن قوله تعالى : ( فذبحوها ) يدل على ذلك ، والصحيح القول الأول . وأما الآية ، فقد اختلف زمان نفي المقاربة والذبح ، إذ المعنى : وما قاربوا ذبحها قبل ذلك ، أي وقع الذبح بعد أن نفى مقاربته . فالمعنى أنهم تعسروا في ذبحها ، ثم ذبحوها بعد ذلك . قيل : والسبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون هو : إما غلاء ثمنها ، وإما خوف فضيحة القاتل ، وإما قلة انقياد وتعنت على الأنبياء على ما عهد منهم . واختلفوا في هذه البقرة المذبوحة : أهي التي أمروا أولا بذبحها ، وأنها معينة في الأمر الأول ، وأنه لو وقع الذبح عليها أولا لما وقع إلا على هذه المعينة ؟ أم المأمور بها أولا هي بقرة غير مخصوصة ، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات ، فذبحوا المخصوصة ؟ فكان الأمر الأول مخصوصا لانتقال الحكم من البقرة المطلقة إلى البقرة المخصوصة ، ويجوز النسخ قبل الفعل على أن هذه البقرة المخصوصة يتناولها الأمر بذبح بقرة ، فلو وقع الذبح عليها بالخطاب الأول ، لكانوا ممتثلين ، فكذلك بعد التخصيص . ثم اختلف القائلون بهذا الثاني : هل الواجب كونها بالصفة الأخيرة فقط ، وهي كونها لا ذلول إلى آخره ؟ أم ينضاف إلى هذه الأوصاف في جواب السؤالين قبل ، فيجب أن يكون مع الوصف الأخير لا فارض ولا بكر ، وصفراء فاقع لونها ؟ والذي نختاره هذا الثاني ؛ لأن الظاهر اشتراك هذه الأوصاف ؛ لأن قوله : ( ما هي ) ، و ( ما لونها ) ، و ( ما هي ) ، يدل على ذلك ، وهذا هو الذي اشتهر في الإخبار أنها كانت بهذه الأوصاف جميعا ، وإذا كان البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة ، كان ذلك تكليفا بعد تكليف ، وذلك يدل على نسخ التسهيل بالأشق ، وعلى جواز النسخ قبل الفعل .

( وإذ قتلتم نفسا ) : معطوف على قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه ) . ويجوز أن يكون ترتيب وجودهما ونزولهما على حسب تلاوتهما ، فيكون الله تعالى قد أمرهم بذبح البقرة ، فذبحوها وهم لا يعلمون بما له تعالى فيها من السر ، ثم وقع بعد ذلك أمر القتيل ، فأظهر لهم ما كان أخفاه عنهم من الحكمة بقوله : " اضربوه ببعضها " ، ولا شيء يضطرنا إلى اعتقاد تقدم قتل القتيل . ثم سألوا عن تعيين قاتله ، إذ كانوا قد اختلفوا في ذلك ، فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة ، فيكون الأمر بالذبح متقدما في النزول والتلاوة ، متأخرا في الوجود ، ويكون قتل القتيل متأخرا في النزول والتلاوة ، متقدما في الوجود ، ولا إلى اعتقاد كون الأمر بالذبح وما بعده مؤخرا في النزول ، متقدما في التلاوة ، والإخبار عن قتلهم مقدما في النزول ، متأخرا في التلاوة ، دون تعرض لزمان وجود القصتين . وإنما حمل من حمل على خلاف الظاهر ، اعتبار ما رووا من القصص الذي لا يصح ، إذ لم يرد به كتاب ولا سنة ، ومتى أمكن حمل الشيء على ظاهره كان أولى ، إذ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر ، إنما يكون لمرجح ، ولا مرجح ، بل تظهر الحكمة البالغة في تكليفهم أولا ذبح بقرة . هل يمتثلون ذلك أم لا ؟ وامتثال التكاليف التي لا يظهر فيها ببادئ الرأي حكمة أعظم من امتثال ما تظهر فيه حكمة ، لأنها طواعية صرف ، وعبودية [ ص: 259 ] محضة ، واستسلام خالص ، بخلاف ما تظهر له حكمة ، فإن في العقل داعية إلى امتثاله ، وحضا على العمل به .

وقال صاحب المنتخب : إن وقوع ذلك القتيل لا بد أن يكون متقدما لأمره تعالى بالذبح ، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتيل ، وعن أنه لا بد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة ، فلا يجب أن يكون متقدما على الإخبار عن قصة البقرة . فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة على الأولى خطأ ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود . فأما التقديم في الذكر فغير واجب ؛ لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم ، وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم بذبح البقرة ، فلما ذبحوها قال : ( وإذ قتلتم نفسا ) من قبل واختلفتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه ، بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة . وتقدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل ؛ لأنه لو عكس لما كانت قصة واحدة ، ولذهب الغرض في تثنية التقريع . انتهى كلامه ، وهو مبني على أن القتل وقع أولا ، ثم أمروا بعد ذلك بذبح البقرة ، وليس له دليل على ذلك إلا نقل شيء من القصص التي لم تثبت في كتاب ولا سنة . وقد بينا حمل الآيتين على أن الأمر بالذبح يكون متقدما وأن القتل تأخر ، كحالهما في التلاوة .

وقال بعض الناس : التقديم والتأخير حسن ؛ لأن ذلك موجود في القرآن ، في الجمل ، وفي الكلمات ، وفي كلام العرب . وأورد من ذلك جملا ، من ذلك : قصة نوح - عليه السلام - في إهلاك قومه ، وقوله : ( وقال اركبوا فيها ) ، وفي حكم من مات عنها زوجها بالتربص بالأربعة الأشهر وعشر ، وبمتاع إلى الحول ، إذ الناسخ مقدم ، والمنسوخ متأخر . وذكر من تقديم الكلمات في القرآن والشعر على زعمه كثيرا ، والتقديم والتأخير ، ذكر أصحابنا أنه من الضرائر ، فينبغي أن ينزه القرآن عنه . ونسبة القتيل إلى جمع ، إما لأن القاتلين جمع ، وهم ورثة المقتول ، وقد نقل أنهم اجتمعوا على قتله ، أو لأن القاتل واحد ، ونسب ذلك إليهم لوجود ذلك فيهم ، على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة ، إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح .

( فادارأتم فيها ) قرأ الجمهور : بالإدغام ، وقرأ أبو حيوة : فتدارأتم ، على وزن تفاعلتم ، وهو الأصل ، هكذا نقل بعض من جمع في التفسير . وقال ابن عطية : قرأ أبو حيوة ، وأبو السوار الغنوي : وإذ قتلتم نفسا فادرأتم ، وقرأت فرقة : فتدارأتم على الأصل . انتهى كلامه . ونقل من جمع في التفسير أن أبا السوار قرأ : فدرأتم ، بغير ألف قبل الراء . ويحتمل هذا التدارؤ ، وهو التدافع ، أن يكون حقيقة ، وهو أن يدفع بعضهم بعضا بالأيدي ، لشدة الاختصام . ويحتمل المجاز ، بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض ، فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح ، أو بأن دفع بعضهم بعضا بالتهمة والبراءة . والضمير في : فيها عائد على النفس ، وهو ظاهر ، وقيل : على القتلة ، فيعود على المصدر المفهوم من الفعل ، وقيل : على التهمة ، فيعود على ما دل عليه معنى الكلام .

( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) ، ما : منصوب باسم الفاعل ، وهو موصول معهود ، فلذلك أتى باسم الفاعل لأنه يدل على الثبوت ، ولم يأت بالفعل الذي هو دال على التجدد والتكرار ، ولا تكرار ، إذ لا تجدد فيه ، لأنها قصة واحدة معروفة ، فلذلك ، والله أعلم ، لم يأت بالفعل . وجاء اسم الفاعل معملا ، ولم يضف ، وإن كان من حيث المعنى ماضيا ؛ لأنه حكى ما كان مستقبلا وقت التدارؤ ، وذلك مثل ما حكى الحال في قوله تعالى : ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) . ودخلت كان هنا ليدل على تقدم الكتمان ، والعائد على ما محذوف تقديره : ما كنتم تكتمونه . والظاهر أن المعنى ما كنتم تكتمون من أمر القتيل وقاتله ، وعلى هذا ذهب الجمهور . وقيل : يجوز أن يكون عاما في القتيل وغيره ، فيكون القتيل من جملة أفراده ، وفي ذلك نظر ، إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية