الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
و " لحم الخنزير " : ظاهره أن المحرم منه هو لحمه فقط . وقد ذهب إلى ذلك داود - رأس الظاهرية - فقال : المحرم اللحم دون الشحم . وقال غيره من سائر العلماء : المحرم لحمه وسائر أجزائه . وإنما خص اللحم بالذكر ، والمراد جميع أجزائه ; لكون اللحم هو معظم ما ينتفع به . كما نص على قتل الصيد على المحرم ، والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد . وكما نص على ترك البيع ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) ; لأنه كان أعظم ما كانوا يبتغون به منافعهم ، فهو أشغل [ ص: 488 ] لهم من غيره ، والمراد جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة . وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه ؟ ( قلت ) : لأن الشحم داخل في ذكر اللحم بدليل قوله : لحم سمين ، يريدون أنه شحيم . انتهى . وقولهم هذا ليس بدليل على أن الشحم داخل في ذكر اللحم ; لأن وصف الشيء بأنه يمازجه شيء آخر ، لا يدل على أنه مندرج تحت مدلول ذلك الشيء ، ألا ترى أنك تقول مثلا رجل لابن ، أو رجل عالم ؟ لا يدل ذلك على أن اللبن أو العلم داخل في ذكر الرجل ، ولا أن ذكر الرجل . مجردا عن الوصفين يدل عليهما . وقال ابن عطية : وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ، ذكي أو لم يذك ، وليعم الشحم وما هناك من الغضاريف وغيرها . وأجمعت الأمة على تحريم شحمه . انتهى كلامه . وليس كما ذكر ; لأن ذكر اللحم لا يعم الشحم وما هناك من الغضاريف ; لأن كلا من اللحم والشحم وما هناك من غضروف وغيره ، ليس له اسم يخصه . إذ أطلق ذلك الاسم ، لم يدخل فيه الآخر ، ولا يدل عليه لا بمطابقة ولا تضمن . فإذن تخصيصه بالذكر يدل على تخصيصه بالحكم ، إذ لو أريد المجموع ، لدل بلفظ يدل على المجموع . وقوله : أجمعت الأمة على تحريم شحمه ، ليس كما ذكر . ألا ترى أن داود لا يحرم إلا ما ذكره الله تعالى ، وهو اللحم دون الشحم ؟ إلا أن يذهب ابن عطية إلى ما يذكر عن أبي المعالي عبد الملك الجويني ، من أنه لا يعتد في الإجماع ، بخلاف داود ، فيكون ذلك عنده إجماعا . وقد اعتد أهل العلم الذين لهم الفهم التام والاجتهاد ، قبل أن يخلق الجويني بأزمان ، بخلاف داود ، ونقلوا أقاويله في كتبهم ، كما نقلوا أقاويل الأئمة ، كالأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد . ودان بمذهبه وقوله وطريقته ناس وبلاد وقضاة وملوك الأزمان الطويلة ، ولكنه في عصرنا هذا قد حمل هذا المذهب . ولما كان اللحم يتضمن عند مالك الشحم ، ذهب إلى أنه لو حلف حالف أن لا يأكل لحما ، فأكل شحما ، أنه يحنث . وخالفه أبو حنيفة والشافعي فقالا : لا يحنث ، كما لو حلف أنه لا يأكل شحما ، فأكل لحما . وقال تعالى : ( حرمنا عليهم شحومهما ) . والإجماع أن اللحم ليس بمحرم على اليهود ، فالحق أن كلا منهما لا يندرج تحت لفظ الآخر .

واختلفوا في الانتفاع بشعره في خرز وغيره ، فأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة والأوزاعي ، ولم يجز ذلك الشافعي . وقال أبو يوسف : أكره الخرز به . وروي عنه الإباحة أيضا . وهل يتناول لفظ الخنزير خنزير البحر ؟ ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه ؟ فمنعوا من أكله ؟ وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي : لا بأس بأكله . وقال الليث : لا يؤكل خنزير الماء ، ولا إنسانه ، ولا كلبه . وسئل مالك عن خنزير الماء ، فتوقف وقال : أنتم تسمونه خنزيرا . وقال ابن القاسم : أنا أتقيه ولا أحرمه . وعلة تحريم لحم الخنزير قالوا : تفرد النصارى بأكله ، فنهي المسلمون عن أكله ، ليكون ذلك ذريعة إلى أن تقاطعوهم ، إذ كان الخنزير من أنفس طعامهم . وقيل : لكونه ممسوخا ، فغلظ تحريم أكله لخبث أصله . وقيل : لأنه يقطع الغيرة ويذهب بالأنفة ، فيتساهل الناس في هتك المحرم وإباحة الزنا ، ولم تشر الآية الكريمة إلى شيء من هذه التعليلات التي ذكروها .

" وما أهل به لغير الله " : أي ما ذبح للأصنام والطواغيت ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ، أو ما ذكر عليه اسم غير الله ، قاله الربيع بن أنس وغيره ، أو ما ذكر اسم المسيح عليه ، قاله الزهري ، أو ما قصد به غير وجه الله تعالى للتفاخر والتباهي ، قاله علي والحسن . وروي أن عليا قال في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق : إنها مما أهل بها لغير الله ، فتركها الناس ، راعى علي النية في ذلك . ومنع الحسن من أكل جزور ذبحتها امرأة للعبها وقال : إنها نحرت لصنم . وسئلت عائشة عن أكل ما يذبحه الأعاجم لأعيادهم ويهدون للمسلمين فقالت : لا تأكلوه ، وكلوا من أشجارهم . والذي يظهر من الآية تحريم ما ذبح لغير الله ، فيندرج [ ص: 489 ] في لفظ غير الله الصنم والمسيح والفخر واللعب ، وسمي ذلك إهلالا ; لأنهم يرفعون أصواتهم باسم المذبوح له عند الذبيحة ، ثم توسع فيه وكثر حتى صار اسما لكل ذبيحة جهر عليها أو لم يجهر ، كالإهلال بالتلبية صار علما لكل محرم رفع صوته أو لم يرفعه . ومن حمل ذلك على ما ذبح على النصب ، وهي الأوثان ، أجاز ذبيحة النصراني ، إذا سمى عليها باسم المسيح . وإلى هذا ذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وابن المسيب والأوزاعي والليث . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي : لا تؤكل ذبائحهم إذا سموا عليها اسم المسيح ، وهو ظاهر قوله : ( لغير الله ) كما ذكرناه ; لأن الإهلال لغير الله هو إظهار غير اسم الله ، ولم يفرق بين اسم المسيح واسم غيره . وروي عن علي أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا . وأهل : مبني للمفعول الذي لم يسم فاعله . والمفعول الذي لم يسم فاعله هو الجار والمجرور في قوله : " به " ، والضمير في " به " عائد على " ما " ، إذ هي موصولة بمعنى الذي . ومعنى أهل بكذا ، أي صاح . فالمعنى : وما صيح به ، أي فيه ، أي في ذبحه لغير الله ، ثم صار ذلك كناية عن كل ما ذبح لغير الله ، صيح في ذبحه أو لم يصح ، كما ذكرناه قبل . وفي ذبيحة المجوسي خلاف . وكذلك فيما حرم على اليهودي والنصراني بالكتاب . أما ما حرموه باجتهادهم ، فذلك لنا حلال . ونقل ابن عطية عن مالك : الكراهة فيما سمى عليه الكتابي اسم المسيح ، أو ذبحه لكنيسة ، ولا يبلغ به التحريم .

التالي السابق


الخدمات العلمية