الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا قيل لهم ) : الإخبار عمن بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليهود ، وسياق الآية يدل على أن المراد آباؤهم ، لأنهم هم الذين قتلوا الأنبياء ، وحسن ذلك أن الراضي بالشيء كفاعله ، وأنهم جنس واحد ، وأنهم متبعون لهم ومعتقدون [ ص: 307 ] ذلك ، وأنهم يتولونهم ، فهم منهم .

( آمنوا بما أنزل الله ) ، الجمهور : إنه القرآن ، وقال الزمخشري : مطلق ، فبما أنزل الله من كل كتاب .

( قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) : يريدون التوراة ، وما جاءهم من الرسالات على لسان موسى ، ومن بعده من أنبيائهم ، وحذف الفاعل هنا للعلم به ؛ لأنه معلوم أنه لا ينزل الكتب الإلهية إلا الله أو لجريانه في قوله : ( آمنوا بما أنزل الله ) ، فحذف إيجازا إذ قد تقدم ذكره ، وذموا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله الله ، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد ، والمأمور به عام ، فلم يطابق إيمانهم الأمر .

( ويكفرون ) : جملة استؤنف بها الإخبار عنهم ، أو جملة حالية ، العامل فيها قالوا . أي وهم يكفرون .

( بما وراءه ) ، أي بما سواه ، وبه فسر ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ، و ( فمن ابتغى وراء ذلك ) ، أي بما بعده ، قاله قتادة ، أي ويكفرون بما بعد التوراة ، وهو القرآن ، أو بما وراءه ، أي بباطن معانيها التي وراء ألفاظها ، ويكون إيمانهم بظاهر لفظها .

( وهو الحق ) ، هو : عائد على القرآن ، أو على القرآن والإنجيل ؛ لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا .

( مصدقا ) : حال مؤكد ، إذ تصديق القرآن لازم لا ينتقل .

( لما معهم ) : هو التوراة ، أو التوراة والإنجيل ، لأنهما أنزلا على بني إسرائيل ، وكلاهما غير مخالف للقرآن ، وفيه رد عليهم ؛ لأن من لم يصدق ما وافق التوراة ، لم يصدق بها . وإذا دل الدليل على كون ذلك منزلا من عند الله ، وجب الإيمان به ، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض .

( قل ) : أي قل يا محمد ، وقل يا من يريد جدالهم .

( فلم ) الفاء : جواب شرط مقدر ، التقدير : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم .

( تقتلون أنبياء الله ) ؟ لأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان ، فقولكم : إنكم آمنتم بالتوراة كذب وبهت ، لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه . وما استفهامية حذفت ألفها لأجل لام الجر . ويقف البزي بالهاء فيقول : فلمه ، وغيره يقف : فلم بغير هاء ، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار ، أو لانقطاع النفس . وجاء يقتلون بصورة المضارع ، والمراد الماضي ، إذ المعنى : قل فلم قتلتم ، وأوضح ذلك أن هؤلاء الذين بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصدر منهم قتل الأنبياء ، وأنه قيد بقوله ( من قبل ) ، فدل على تقدم القتل .

قال ابن عطية : وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر . ألا ترى أن حاضري محمد - صلى الله عليه وسلم - لما كانوا راضين بفعل أسلافهم ، بقي لهم من قتل الأنبياء جزء ، وفي إضافة " أنبياء " إلى الله تشريف عظيم لهم ، وأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله أن يعظم أجل تعظيم ، وأن ينصر ، لا أن يقتل .

( إن كنتم مؤمنين ) قيل : إن نافية أي ما كنتم مؤمنين ؛ لأن من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمنا ، فأخبر تعالى أن الإيمان لا يجامع قتل الأنبياء ، أي ما اتصف بالإيمان من هذه صفته . قيل : والأظهر أن إن شرطية ، والجواب محذوف ، التقدير : فلم فعلتم ذلك ؟ ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد ، لكن حذف الشرط من الأول وأبقي جوابه وهو : فلم تقتلون ؟ وحذف الجواب من الثاني وأبقي شرطه . وقال ابن عطية : وإن كنتم : شرط ، والجواب متقدم . ولا يتمشى قوله [ ص: 308 ] هذا إلا على مذهب من يجيز تقدم جواب الشرط ، وليس مذهب البصريين إلا أبا زيد الأنصاري والمبرد منهم . ومعنى مؤمنين : أي بما أنزل إليكم ، أو متحققين بالإيمان صادقين فيه ، أو مؤمنين بزعمكم . وأجرى هذا القول مجرى التهكم بهم والاستهزاء ، كما تقول لمن بدا منه ما لا يناسبه : فعلت كذا وأنت عاقل ، أي بزعمك .

( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) : أي بالآيات البينات ، وهي الواضحة المعجزة الدالة على صدقه . وقيل : التسع ، وهي : العصا ، والسنون ، واليد ، والدم ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر . وهي المعني بقوله : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ) .

( ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ) : تقدم تفسير هذه الجمل ، وإنما كررت هنا لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم ، وهم كاذبون في ذلك . ألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة ؟ بل فيها أن يفرد الله بالعبادة ، ولأن عبادة غير الله أكبر المعاصي ، فكرر عبادة العجل تنبيها على عظيم جرمهم . ولأن ذكر ذلك قبل ، أعقبه تعداد النعم بقوله : ( ثم عفونا عنكم ) ، و ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ) . وهنا أعقبه التقريع والتوبيخ . ولأن في قصة الطور ذكر توليهم عما أمروا به ، من قبول التوراة ، وعدم رضاهم بأحكامها اختيارا ، حتى ألجئوا إلى القبول اضطرارا ، فدعواهم الإيمان بما أنزل إليهم غير مقبولة . ثم في قصة الطور تذييل لم يتقدم ذكره . والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء أو تعظيمه ، كررته . وفي هذا التكرار أيضا من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم ونقمه منهم ، ليزدجر الأخلاف بما حل بالأسلاف .

( واسمعوا ) أي : اقبلوا ما سمعتم ، كقوله : سمع الله لمن حمده ، أو اسمعوا متدبرين لما سمعتم ، أو اسمعوا وأطيعوا . لأن فائدة السماع الطاعة ، قاله المفضل . والمعنى في هذه الأقوال الثلاثة قريب . قال الماتريدي : معنى اسمعوا : افهموا . وقيل : اعملوا ، ووجهه أن السمع يسمع به ، ثم يتخيل ، ثم يعقل ، ثم يعمل به إن كان مما يقتضي عملا . ولما كان السماع مبتدأ ، والعمل غاية ، وما بينهما وسائط ، صح أن يراد بعض الوسائط ، وصح أن يراد به الغاية .

( قالوا ) : هذا من الالتفات ، إذ لو جاء على الخطاب لقال : قلتم .

( سمعنا وعصينا ) : ظاهره أن كلتا الجملتين مقولة ، ونطقوا بذلك مبالغة في التعنت والعصيان . ويؤيده قول ابن عباس : كانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا : ( سمعنا وأطعنا ) ، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا : ( سمعنا وعصينا ) . وقيل : القول هنا مجاز ، ولم ينطقوا بشيء من الجملتين ، ولكن لما لم يقبلوا شيئا مما أمروا به ، جعلوا كالناطقين بذلك . وقيل : يعبر بالقول للشيء عما يفهم به من حاله ، وإن لم يكن نطق . وقيل : المعنى سمعنا بآذاننا وعصينا بقلوبنا ، وهذا راجع لما قاله الزمخشري ، قال : قالوا سمعنا قولك وعصينا أمرك . فإن قلت : فكيف طابق قوله جوابهم ؟ قلت : طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا ، وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة ، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة ، انتهى كلامه . والقول الأول أحسن ، لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره ، لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه .

( وأشربوا ) : عطف على قالوا سمعنا وعصينا . فيكون معطوفا على قالوا ، أي خذوا ما آتيناكم بقوة ، قلتم كذا وكذا وأشربتم ، أو عطف مستأنف لا داخل في باب الالتفات ، بل إخبار من الله عنهم بما صدر منهم من عبادة العجل ، أو الواو للحال ، أي وقد أشربوا والعامل قالوا ، ولا يحتاج الكوفيون إلى تقدير قد في الماضي الواقع حالا ، والقول الأول هو الظاهر .

( في قلوبهم ) : ذكر مكان الإشراب ، كقوله : ( إنما يأكلون في بطونهم ) .

( العجل ) : هو على حذف مضافين ، أي حب عبادة العجل من قولك : أشربت زيدا ماء ، والإشراب مخالطة المائع الجامد ، وتوسع فيه حتى صار في اللونين ، قالوا : وأشربت البياض حمرة ، أي خلطتها بالحمرة ، [ ص: 309 ] ومعناه أنه داخلهم حب عبادته ، كما داخل الصبغ الثوب ، وأنشدوا :


إذا ما القلب أشرب حب شيء فلا تأمل له عنه انصرافا



وقال ابن عرفة : يقال أشرب قلبه حب كذا ، أي حل محل الشراب ومازجه . انتهى كلامه . وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل ؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها ، ولهذا قال بعضهم :


جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي     فأصبح لي عن كل شغل بها شغل



وأما الطعام فقالوا : وهو مجاور لها ، غير متغلغل فيها ، ولا يصل إلى القلب منه إلا يسير ، وقال :


تغلغل حب عثمة في فؤادي     فباديه مع الخافي يسير



وحسن حذف ذينك المضافين ، وأسند الإشراب إلى ذات العجل مبالغة كأنه بصورته أشربوه ، وإن كان المعنى على ما ذكرناه من الحذف . وقيل : معنى أشربوا : أي شد في قلوبهم حب العجل لشغفهم به ، من أشربت البعير : إذا شددت حبلا في عنقه . وقيل : هو من الشرب حقيقة ، وذلك أنه نقل أن موسى - عليه السلام - برد العجل بالمبرد ورماه في الماء وقال لهم : اشربوا ، فشرب جميعهم . فمن كان يحب العجل خرجت برادته على شفتيه ، وهذا قول يرده في قوله : ( في قلوبهم ) . وروي أن الذين تبين لهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن . وبناؤه للمفعول في قوله : وأشربوا ، دليل على أن ذلك فعل بهم ، ولا يفعله إلا الله تعالى . وقالت المعتزلة : جاء مبنيا للمفعول لفرط ولوعهم بعبادته ، كما يقال : معجب برأيه ، أو لأن السامري وإبليس وشياطين الإنس والجن دعوهم إليه ، ولما كان الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض ، نسب ذلك إلى المحبة ، لأنها مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال .

( بكفرهم ) : الظاهر أن الباء للسبب ، أي الحامل لهم على عبادة العجل هو كفرهم السابق ، قيل : ويجوز أن يكون الباء بمعنى مع ، يعنون أن يكون للحال ، أي مصحوبا بكفرهم ، فيكون ذلك كفرا على كفر .

( قل ) يا محمد ، أو قل يا من يجادلهم .

( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) : تقدم الكلام في بئس ، وفي المذاهب في ما ، فأغنى عن إعادته . وقرأ الحسن ومسلم بن جندب : بهو إيمانكم ، بضم الهاء ووصلها بواو ، وهي لغة ، والضم في الأصل ، لكن كسرت في أكثر اللغات لأجل كسرة الباء ، وعنى بإيمانهم الذي زعموا في قولهم : ( نؤمن بما أنزل علينا ) ، وأضاف الأمر إلى إيمانهم على طريق التهكم ، كما قال أصحاب شعيب : أصلاتك تأمرك أن نترك ؟ وقيل : ثم محذوف تقديره صاحب إيمانكم ، وهو إبليس . وقيل : ثم صفة محذوفة ، التقدير : إيمانكم الباطل ، وأضاف الإيمان إليهم لكونه إيمانا غير صحيح ، ولذلك لم يقل الإيمان ، قاله بعض معاصرينا رحمهم الله : والمخصوص بالذم محذوف بعد ما ، فإن كانت منصوبة ، فالتقدير : بئس شيئا يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء والعصيان وعبادة العجل ، فيكون يأمركم صفة للتمييز ، أو يكون التقدير : بئس شيئا شيء يأمركم به إيمانكم ، فيكون يأمركم صفة للمخصوص بالذم المحذوف ، أو يكون التقدير : بئس شيئا ما يأمركم ، أي الذي يأمركم ، فيكون يأمركم به إيمانكم . والمخصوص مقدر بعد ذلك ، أي قتل الأنبياء ، وكذا وكذا . فيكون ما موصولة ، أو يكون التقدير : بئس الشيء شيء يأمركم به إيمانكم ، فيكون ما تامة . وهذا كله تفريع على قول من جعل لما وحدها موضعا من الإعراب .

( إن كنتم مؤمنين ) ، قيل : إن نافية ، وقيل : شرطية . قال الزمخشري : تشكيك في إيمانهم ، وقدح في صحة دعواهم . انتهى كلامه . وقال ابن عطية : وقد يأتي الشرط ، والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين ، كما قال الله عن عيسى - عليه السلام : ( إن كنت قلته فقد علمته ) ، وقد علم عيسى - عليه السلام - أنه لم يقله ، وكذلك ( إن كنتم مؤمنين ) ، والقائل [ ص: 310 ] يعلم أنهم غير مؤمنين ، لكنه أقام حجة لقياس بين . انتهى كلامه ، وهو يؤول من حيث المعنى إلى نفي الإيمان عنهم ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي إن كنتم مؤمنين ، فلا تقتلوا الأنبياء ، ولا تكذبوا الرسل ، ولا تكتموا الحق . وتقدير الحذف الأول أعرب وأقوى .

( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ) : نزلت فيما حكاه ابن الجوزي عندما قالت اليهود : إن الله لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه . وقال أبو العالية والربيع : سبب نزول هاتين الآيتين قولهم : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ) ، و ( نحن أبناء الله ) ، و ( لن تمسنا النار ) ، الآيات ، وروي مثله عن قتادة . والضمير في قل ، إما للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإما لمن ينبغي إقامة الحجة عليهم منه ومن غيره . وفسروا الدار الآخرة بالجنة ، قالوا : وذلك معهود في إطلاقها على الجنة . قال تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) . ومعلوم أن ما يجعل لهؤلاء هو الجنة ، ( وللدار الآخرة خير للذين يتقون ) . والأحسن أن يكون ذلك على حذف مضاف دل عليه المعنى ، أي نعيم الدار الآخرة وحظوتها وخيرها ؛ لأن الدار الآخرة هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا . وسميت آخرة لأنها متأخرة عن الدنيا ، أو هي آخر ما يسكن . وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله : ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) . ومعنى : عند الله ، أي في حكم الله ، كقوله تعالى : ( فأولئك عند الله ) أي في حكمه ( هم الفاسقون ) . وقيل : المراد بالعندية هنا : المكانة والمرتبة والشرف ، لا المكان . ومعنى " خالصة " : أي مختصة بكم ، لا حظ في نعيمها لغيركم . واختلفوا في إعراب " خالصة " ، فقيل : نصب على الحال ، ولم يحك الزمخشري غيره ، فيكون لكم إذ ذاك خبر كانت ، ويكون العامل في الحال هو العامل في المجرور ، ولا يجوز أن يكون الظرف إذ ذاك الخبر ؛ لأنه لا يستقل معنى الكلام به وحده . وقد وهم في ذلك المهدوي وابن عطية ، إذ قالا : ويجوز أن يكون نصب " خالصة " على الحال ، وعند الله خبر كان . وقيل : انتصاب " خالصة " على أنه خبر كان ، فيجوز في لكم أن يتعلق بكانت ؛ لأن كان يتعلق بها حرف الجر ، ويجوز أن يتعلق بـ " خالصة " . ويجوز أن تكون للتبيين ، فيتعلق بمحذوف تقديره : لكم ، أعني نحو قولهم : سقيا لك إذ تقديره : لك أدعو .

( من دون الناس ) : متعلق بخالصة ، ودون هنا لفظ يستعمل للاختصاص وقطع الشركة . تقول : هذا ولي دونك ، وأنت تريد لا حق فيه لك معي ولا نصيب . وفي غير هذا المكان يأتي لمعنى الانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار . والمراد بالناس : الجنس ، وهو الظاهر لدلالة اللفظ وقوله : خالصة . وقيل : المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون . وقيل : المراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله ابن عباس : قالوا ، ويطلق الناس ، ويراد به الرجل الواحد ، وهذا لا يكون إلا على مجاز وتنزيل الرجل الواحد منزلة الجماعة .

( فتمنوا الموت ) : أي سلوه باللسان فقط ، وإن لم يكن بالقلب ، قاله ابن عباس . أو تمنوه بقلوبكم واسألوه بألسنتكم ، قاله قوم . أو فسلوه بقلوبكم على أردأ الحزبين من المؤمنين أو منهم . وروي عن ابن عباس وغيره ، وقرأ الجمهور : فتمنوا الموت ، بضم الواو ، وهي اللغة المشهورة في مثل : اخشوا القوم . ويجوز الكسر تشبيها لهذه الواو بواو : ولو استطعنا ، كما شبهوا واو لو بواو اخشوا ، فضموا ، فقالوا : لو استطعنا . وقرأ ابن أبي إسحاق : فتمنوا الموت بالكسر ، وحكى أبو علي الحسن بن إبراهيم بن يزداد ، عن أبي عمرو ، أنه قرأ : فتمنوا الموت ، بفتح الواو ، وحركها بالفتح طلبا للتخفيف ؛ لأن الضمة والكسرة في الواو يثقلان . وحكي أيضا عن أبي عمرو : اختلاس ضمة الواو .

( إن كنتم صادقين ) في دعواكم أن الجنة لكم دون غيركم . وجواب الشرط محذوف ، أي فتمنوا الموت . وعلق تمنيهم على شرط مفقود ، وهو كونهم صادقين ، وليسوا بصادقين في أن الجنة خالصة لهم دون الناس ، فلا يقع التمني . [ ص: 311 ] والمقصود من ذلك التحدي وإظهار كذبهم ، وذلك أن من أيقن أنه من أهل الجنة ، اختار أن ينتقل إليها ، وأن يخلص من المقام في دار الأكدار ، وأن يصل إلى دار القرار . كما روي عمن شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ، كعثمان ، وعلي ، وعمار ، وحذيفة ، أنهم كانوا يختارون الموت ، وكذلك الصحابة كانت تختار الشهادة . وفي الحديث الصحيح أنه قال - صلى الله عليه وسلم : " ليتني أحيا ثم أقتل ثم أحيا فأقتل " . لما علم من فضل الشهادة . وقال لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة : " يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبل " . وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت ، فلما احتضر قال : حبيب جاء على فاقة . وعن عمار لما كان بصفين قال : غدا نلقى الأحبة ، محمدا وصحبه . وعن علي أنه كان يطوف بين الصفين بغلالة ، فقال له ابنه الحسن : ما هذا بزي المحاربين ، فقال : يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه سقط الموت . وكان عبد الله بن رواحة ينشد ، وهو يقاتل الروم :


يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها



وفي قصتي قتل عثمان وسعيد بن جبير ما يدل على اختيارهما الشهادة ، وذلك أن عثمان جاءه جماعة من الصحابة فقالوا له : نقاتل عنك ؟ فقال لهم : لا ، وكان له قريب من ألف عبد ، فشهروا سيوفهم لما هجم عليهم ، فقال : من أغمد سيفه فهو حر . فصبر حتى قتل . وأما سعيد ، فإن الموكلين به ، لما طلبه الحجاج ، لما شاهدوا من لياذ السباع به وتمسحها به ، قالوا : لا ندخل في إراقة دم هذا الرجل الصالح ، قالوا له : طلبك ليقتلك ، فاذهب حيث شئت ، ونحن نكون فداء . فقال : لا والله ، إني سألت ربي الشهادة ، وقد رزقنيها ، والله لا برحت . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي " . وذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت ، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات . ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فعلم اليهود صدقه ، فأحجموا عن تمنيه فرقا من الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية