الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومعنى : ( إلا ما دمت عليه قائما ) قال قتادة ، ومجاهد ، والزجاج ، والفراء ، وابن قتيبة : متقاضيا بأنواع التقاضي من الخفر ، والمرافعة إلى الحكام ، فليس المراد هيئة القيام ، إنما هو من قيام المرء على أشغاله ، أي : اجتهاده فيها .

وقال السدي وغيره : قائما على رأسه وهي الهيئة المعروفة وذلك نهاية الخفر ; لأن معنى ذلك أنه في صدد شغل آخر يريد أن يستقبله . وذهب إلى هذا التأويل جماعة من الفقهاء ، وانتزعوا من الآية جواز السجن ، لأن الذي يقوم عليه غريمه هو يمنعه من تصرفاته في غير القضاء ، ولا فرق بين المنع من التصرفات ، وبين السجن . وقيل : قائما بوجهك فيها بك ويستحي منك . وقيل : معنى : دمت عليه قائما ، أي : مستعليا ، فإن استلان جانبك لم يؤد إليك أمانتك .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، ويحيى بن وثاب ، والأعمش ، وابن أبي ليلى ، والفياض بن غزوان ، وطلحة ، وغيرهم : دمت ، بكسر الدال ، وتقدم أنها لغة تميم ، وتقدم الخلاف في مضارعه . و " ما " في : " ما دمت " ، مصدرية ظرفية . ودمت : ناقصة فخبرها : " قائما " ، وأجاز أبو البقاء أن تكون ما مصدرية فقط لا ظرفية ، فتتقدر بمصدر ، وذلك المصدر ينتصب على الحال ، فيكون ذلك استثناء من الأحوال ، لا من الأزمان . قال : والتقدير إلا في حال ملازمتك له . فعلى هذا يكون : قائما ، منصوبا على الحال ، لا خبرا لـ " دام " ، لأن شرط نقص دام ، أن يكون صلة لـ " ما " المصدرية الظرفية .

( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) روي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب ; لكونهم أهل أوثان ، فلما جاء الإسلام ، وأسلم من أسلم من العرب ، بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد ، فنزلت الآية مانعة من ذلك . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " كل شيء من أمر الجاهلية فهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها موادة إلى البر والفاجر . " والإشارة بذلك إلى ترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده ، أي : كونهم لا يؤدون الأمانة كان بسبب قولهم .

والضمير في : بأنهم ، قيل : عائد على اليهود وقيل : عائد على لفيف بني إسرائيل . والأظهر أنه عائد على : من ، في قوله : ( من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) وجمع حملا على المعنى ، أي : ترك الأداء في الدينار فما دونه ، وفما فوقه كائن بسبب قول المانع للأداء الخائن : ( ليس علينا في الأميين ) وهم الذين ليسوا من أهل الكتاب ، وهم العرب . وتقدم كونهم سموا أميين في سورة البقرة .

والسبيل ، قيل : العتاب والذم ، وقيل : الحجة على نحو قول حميد بن ثور :


وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة من السرح مسدود علي طريق



وقوله : فأولئك ما عليهم من سبيل من هذا المعنى ، وهو كثير في القرآن ، وكلام العرب ، وقيل : السبيل هنا الفعل المؤدي إلى الإثم . والمعنى : ليس عليهم طريق فيما يستحلون من أموال المؤمنين الأميين . قال : وسبب استباحتهم لأموال الأميين ، أنهم عندهم مشركون ، وهم بعد إسلامهم باقون على ما كانوا عليه ، وذلك لتكذيب اليهود للقرآن ، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل : لأنهم انتقض العهد الذي كان [ ص: 501 ] بينهم بسبب إسلامهم ، فصاروا كالمحاربين ، فاستحلوا أموالهم ، وقيل : لأن ذلك مباح في كتابهم أخذ مال من خالفهم .

وقال الكلبي : قالت اليهود : الأموال كلها كانت لنا ، فما في أيدي العرب منها فهو لنا ، وأنهم ظلمونا وغصبونا ، فلا سبيل علينا في أخذ أموالنا منهم . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن صعصعة ، أن رجلا قال ل ابن عباس : أنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الشاة والدجاجة ، ويقولون : ليس علينا بذلك بأس ، فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) أنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم . وذكر هذا الأثر الزمخشري ، وابن عطية ، وفيه بعد ذكر الشاة أو الدجاجة ، قال : فيقولون ماذا قال ؟ يقول : ليس علينا في ذلك بأس .

التالي السابق


الخدمات العلمية