الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ) بعد أن بين تعالى حال كملة المؤمنين كلهم قفى عليه بذكر مردة المنافقين من أهل البدو والحضر ، وعطفهم عليهم من باب عطف الضد على الضد ، فهو يقول : إن بعض الأعراب الذين حولكم أيها المؤمنون منافقون .

                          قال البغوي : وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، كانت منازلهم حول المدينة ، أي كما كان فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن من أهل المدينة نفسها منافقين أيضا من الأوس والخزرج غير من أعلم الله ورسوله بهم في هذه السورة بما صدر عنهم من الأقوال والأفعال المنافية للإيمان ، وقد وصف هؤلاء بقوله : ( مردوا على النفاق ) أي مرنوا عليه وحذقوه حتى بلغوا الغاية من إتقانه وجعله بحيث لا يشعر أحد به لاتقائهم جميع الأمارات والشبهات التي تدل عليه . يقال : مرد على الشيء يمرد ( كقعد يقعد ) مرودا إذا مرن عليه . وإذا عتا واشتد فيه حتى يتعذر إرجاعه عنه . ومن الأول الغلام الأمرد الذي لم ينبت الشعر في وجهه ، والشجرة المرداء التي لا ورق فيها ، ومنه مرد الشيء تمريدا إذا صقله وملسه حتى صار أملس لا حرشة فيه ولا خشونة ، ومنه ( صرح ممرد من قوارير ) ( 27 : 44 ) قال في اللسان وتأويل المرود أن يبلغ الغاية التي تخرج من جملة ما عليه الصنف . ثم قال : والمرود على الشيء المرون عليه ، ومرد على الكلام : أي مرن عليه لا يعبأ به - أي لا يعنى أن يتكلف له - قال الله تعالى : ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) ، قال الفراء : يريد مرنوا عليه وجربوا كقولك : تمردوا ، وقال ابن الأعرابي : المرد التطاول بالكبر والمعاصي ومنه قوله ( مردوا على النفاق ) أي تطاولوا . ا هـ .

                          [ ص: 16 ] ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) أي لا تعرفهم أيها الرسول بفطنتك ودقة فراستك التي تنظر فيها بنور الله لحذقهم وتجنب مثارات الشبهة ، وأكد هذا النفي بإثبات العلم بأعيانهم له وحده عز وجل ، ولعلهم أخفى نفاقا وأشد تقية ممن قال فيهم : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) ( 47 : 29 ، 30 ) .

                          فهؤلاء ممن لم يعلمه الله بأعيانهم كما أعلمه بمن أشير إليهم في الآية ( 74 ) ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة ; لأنهم بمرودهم على النفاق يتحامون ما يكون شبهة على إيمانهم ، فضرره قاصر عليهم ، وحكمة إخباره تعالى إياه بذلك أن يعلموا هم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم ، ويحذروا أن يفضحهم كما فضح غيرهم ; ليتوب المستعد للإيمان منهم وهو في ستر الله تعالى قبل أن ينجز ما أوعدهم بقوله : ( سنعذبهم مرتين ) أي في الحياة الدنيا ، إحداهما : ما يصيبهم من المصائب وتوبيخ الضمائر ، وانتظار الفضيحة بهتك أستار السرائر وما يتلو ذلك من جهادهم إذا ظهر نفاقهم كغيرهم ، والثانية : آلام الموت ، وزهوق أنفسهم وهم كافرون ، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم ، فأقرب ما يفسر به العذاب مرتين هو ما تقدم في تفسير الآيات ( 55 ، 73 ، 74 ، 82 ، 85 ) ففيه بيان لكل ما يصيب المنافقين في الدنيا من عذاب الوجدان الباطن ، وعذاب من يفتضح أمرهم في الظاهر ، وورد في التفسير المأثور أقوال في هاتين المرتين بعضها في معنى ما ذكرنا وبعضها مردود ومتناقض . ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) أي في الآخرة وهو عذاب جهنم ، وهم في الدرك الأسفل منها كما تقدم .

                          جاء في كتب التفسير المأثور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس مرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( ( إن منكم منافقين فمن سميته فليقم ) ) ثم قال قم يا فلان - حتى سمى 36 رجلا فإن صح فهو عدد الذين سبق تهديدهم في هذه السورة لظهور نفاقهم دون الذين مردوا على النفاق ، ولكن لم يرو لنا ما كان من أمر هؤلاء بعد هذه الفضيحة بكفرهم ومنعهم من الصلاة ومقتضاه أن تجري عليهم أحكام المرتدين ، ومثل هذا لا يخفى وتتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة ، ولم يرو لنا المحدثون شيئا فيه ، والذي أراه أن الرواية غير صحيحة والله أعلم .

                          والعبرة في هذا السياق أن هؤلاء المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها ، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى صار أملس ناعما لا يكاد يشعر أحد بشيء يستنكره منه فيظهر عليه ، وكل من الفريقين يوجد في كل عصر ولا سيما منافقي السياسة في هذا العهد ، وهم الذين اتخذهم الأجانب المعتدون على بلاد الإسلام دعاة وولائج وأعوانا على استعباد أمتهم واستعمار أوطانهم ، فما من قطر من هذه الأقطار التي رزئت بالأجانب [ ص: 17 ] إلا ولهم فيها أعوان وأنصار من أهلها يزعمون أنهم يخدمون أمتهم ووطنهم من طريق استمالتهم واسترضائهم ، وأنهم لولاهم لما وفقوا من الظلم وهضم الحقوق عند الحد الذي هم عليه ، ومنهم من يخدمون الأجانب خدما خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مردوا على النفاق ، وإنما يحتاج الخونة الخادمون للأجانب إلى نفاق ، وتلبيس خيانتهم وإخفائها بالكذب والاختلاق ، إذا كان للرأي العام فطنة وقوة يخشونها ، وأما البلاد التي استحوذ عليها الجهل والضعف فلا يبالي الخائنون برضاء أهلها ولا بسخطهم .

                          وأشد المنافقين مرودا وإتقانا للنفاق أعوان الملوك والأمراء المستبدين ، وشرهم وأضرهم الذين يلبسون لباس علماء الدين .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية