الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        شهد اثنان على ميت أنه أوصى بعتق عبده سالم وهو ثلث ماله ، وقال الوارث : أوصى بعتق غانم وهو ثلثه ، فإن لم يكذب الوارث الشاهدين ، واقتصر على أنه أوصى بعتق هذا ، عتق الأول بموجب البينة ، وأقرع بينه وبين الثاني ، لإقرار الوارث ، فإن خرجت القرعة للأول ، لم يعتق الثاني ، وإن خرجت للثاني ، عتق ، ولم يرق الأول ; لأنه مستحق العتق بالبينة ، فلا يتمكن الوارث من إبطاله بالإقرار ، وقد تعمل القرعة في أحد الطرفين دون الآخر كما سبق . وإن أقر الوارث أنه أعتق الثاني ، وكذب الشهود في الأول ، عتقا جميعا ، الأول بالشهادة ، والثاني بالإقرار .

                                                                                                                                                                        ولو شهد أجنبيان بأنه أوصى بإعتاق عبد هو ثلث ماله ، وشهد وارثان بأنه أوصى بإعتاق آخر ، فإن كذب الوارثان الأجنبيين ، عتقا عتقا ، وإلا أقرع كما سبق .

                                                                                                                                                                        ثلاثة إخوة في أيديهم أمة وولدها ، وهو مجهول النسب ، قال أحدهم : هي أم ولدي ، وهو ولدي منها ، وقال الثاني : هي أم ولد أبينا ، والولد أخونا ، وقال الثالث : هي أمتي ، وولدها عبدي ، فالكلام في أحكام الأول نسب الولد ، فلا يثبت من أبيهم . وأما ثبوته [ ص: 162 ] من الذي استلحقه ، فإن قلنا : إن من استلحق عبدا مجهول النسب ، لحقه ، ثبت نسبه منه ، وإلا فلا ، على الأصح . الثاني : القائل هي أم ولد أبينا ، لا يدعي لنفسه شيئا على الآخرين ، فلا يحلفهما ، لكن إن ادعت الأمة ذلك ، وأنها عتقت لموت الأب ، حلفهما أنهما لا يعلمان الأب أولدها ، وأما الآخران ، فكل واحد منهما يدعي ما في يد صاحبه ، هذا يقول : هي مستولدتي ، وذلك يقول : ملكي ، فيحلف كل واحد الآخر على نفي ما يدعيه في الثلث الذي في يده .

                                                                                                                                                                        الثالث : القائل : هي أم ولد أبينا ، لا غرم له ; لأنه لا يدعي لنفسه شيئا ولا عليه ، والذي يدعي الاستيلاد يلزمه الغرم للذي يدعي الملك لاعترافه بأنه فوت عليه نصيبه من الأمة والولد ، هكذا عللوه ومقتضاه أن يكون الصورة فيما إذا سلم أنه كان لمدعي الرق منها نصيب بالإرث أو غيره ، وإلا فلا يلزم من قوله : مستولدتي كونها مشتركة من قبل . وكم يغرم ؟ وجهان بناء على أن الجارية في يد من هي ؟ وفيه وجهان : أحدهما : لا يد عليها للقائل : مستولدة أبينا ; لأنها حرة بزعمه ، فتكون في يد الآخرين . وأصحهما في يد الثلاثة حكما ، فعلى الأول يلزمه لمدعي الرق نصف قيمتها وقيمة الولد ، وعلى الأصح ثلث قيمتهما ، وبه أجاب ابن الحداد .

                                                                                                                                                                        الرابع : الولد حر بقول من يقول : مستولدة الأب ، ومن يقول : مستولدتي ، قال الشيخ أبو علي : ويعتق عليه نصيب مدعي الرق ونصيبه من الجارية ، هكذا ينبغي أن يكون .

                                                                                                                                                                        [ ص: 163 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال لعبديه : أحدكما حر ، ثم غاب أحدهما ، فقال للذي لم يغب وعبد ثالث : أحدكما حر ، ثم مات قبل البيان ، قال الأستاذ أبو إسحاق : يقرع بين الأولين ، فإن خرج سهم العتق للذي غاب ، عتق ، وتعاد القرعة بين الآخرين ، فمن خرجت له ، عتق أيضا . وإن خرجت أولا للذي لم يغب ، عتق ، ولا تعاد ; لأن تعيين القرعة كتعيين المالك ، ولو عين الذي لم يغب للعتق ، ثم قال له وللآخر : أحدكما حر ، كان صادقا ، ولم يقتض ذلك عتق الآخر . وقال الماسرجسي : إن خرجت القرعة للذي لم يغب ، تعاد ; لأنه يحتمل أنه أراد بقوله : الثاني الذي حضر آخرا ، فإن خرجت القرعة الثانية للذي لم يغب أيضا ، لم يعتق ، وإن خرجت للآخر ، عتق أيضا ، ومال الإمام إلى هذا ، ورجح الشيخ أبو علي الأول .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        له أربع إماء ، فقال : كلما وطئت واحدة منكن ، فواحدة منكن حرة ، ثم وطئ إحداهن ، عتقت إحداهن . وهل تدخل الموطوءة في العتق المبهم ؟ يبنى على الوجهين السابقين في أن الوطء هل يكون تعيينا للملك في الموطوءة والعتق في غيرها ؟ إن قلنا : نعم وعليه فرع ابن الحداد ، فأول الوطء لا يتضمن التعيين ; لأن العتق معلق به ، وما لم [ ص: 164 ] يوجد ، لا يثبت استحقاق العتق . فلو نزع بمجرد تغييب الحشفة ، دخلت الموطوءة في العتق المبهم ، وإن استدام ، فهل تتضمن الاستدامة التعيين وإخراج الموطوءة عن استحقاق العتق ؟ وجهان ، أحدهما هو قول أبي زيد : نعم ، فيقرع بين الثلاث البواقي ، وأصحهما وبه قال ابن الحداد : لا ; لأنه وطء واحد ، ولهذا لا يستحق بالاستدامة عتق آخر فيقرع بين الأربعة ، وهذا كمن قال لأمته : إن وطئتك فأنت حرة ، فوطئ ونزع في الحال ، لا يلزمه مهر ، وإن استدام ، فوجهان كنظيره في الحلف بالطلاق .

                                                                                                                                                                        وإن وطئ ثلاثا منهن ، واستدام ، عتق بكل وطء أمة ، فإن جعلنا الوطء تعيينا ، والاستدامة متضمنة للتعيين ، عتقت الأولى والثانية والرابعة بلا قرعة ، ورقت الثالثة ; لأنه لما وطئ الأولى فبتغييب الحشفة ثبت عتق واحدة ، فإذا استدام ، خرجت هي عن الاستحقاق ، لتعينها للملك ، والثانية والثالثة تعينتا للملك بوطئهما فتعينت الرابعة للعتق ، وبوطء الثانية ثبت حق العتق لها ; لأن الرابعة علقت بالوطء الأول ، فإذا استدام خرجت هي عن الاستحقاق وخرجت الثالثة أيضا بوطئها ، فتعينت الأولى للعتق فإذا وطئ الثالثة ، لم تبق إلا هي والثانية ، واستدامة الوطء فيها إمساك ، فيعين العتق في الثانية ، وإن جعلنا الوطء تعيينا ، ولم نجعل الاستدامة تعيينا ، أقرع بين الأولى والرابعة ; لأنه أمسك الثانية والثالثة بوطئهما للملك ، فإن خرجت القرعة للرابعة ، عتقت ، بوطء الثانية يستحق عتق آخر ، لكن لا حظ فيه للرابعة ; لأنها عتقت بالوطء الأول ، ولا للثالثة ; لأنه أمسكها بالوطء ، فهو إذا متردد بين [ ص: 165 ] الأولى والثانية ، فيقرع بينهما ، فمن خرجت لها القرعة ، عتقت ، وبوطء الثالثة يستحق عتق آخر ، ولا حظ فيه للرابعة ، ولا لمن عتق من الأولى والثانية ، فإن عتقت الأولى ، أقرعنا بين الثانية والثالثة ، وإن عتقت الثانية ، أقرعنا بين الأولى والثالثة ، وإن خرجت القرعة الأولى للأولى دون الرابعة ، عتقت ، وبوطء الثانية يتردد العتق بينها وبين الرابعة ; لأن الأولى عتقت ، والثالثة تعينت بالوطء للإمساك ، فمن خرجت لها القرعة ، عتقت ، وبوطء الثالثة يستحق عتق آخر لا حظ فيه للأولى ، ولا لمن عتقت والثانية والرابعة ، فإن عتقت الثانية ، أقرعنا بين الثالثة والرابعة ، وإن عتقت الرابعة ، أقرعنا بين الثانية والثالثة ، وإذا قلنا : الوطء ليس بتعيين ، أقرع ثلاث مرات ، لاستحقاق العتق لثلاث منهن ، يقرع بوطء الأولى بين الأربع بسهم عتق وثلاثة أسهم رق ، فإن خرجت الرابعة ، عتقت ، ولا مهر لها ; لأنه لم يطأها ، وإن خرجت الأولى ، عتقت ، وهل تستحق المهر ؟ يبنى على أن استدامة الوطء هل يوجب مهرا ؟ وإن خرجت للثانية أو الثالثة ، عتقت ، ولها المهر ، لأنا تبينا أنه وطئها بعد حصول عتقها ، ثم يقرع لوطء الثانية بين الثلاث البواقي بسهم عتق ، وسهمي رق ، فإن خرجت للرابعة ، فلا شيء لها ، وإن خرجت للثانية ، ففي استحقاقها المهر الوجهان . وإن خرجت الثالثة ، استحقت ، وإن خرجت القرعة الحرية في المرة الأولى للثانية ، أقرعنا لوطء الثانية بين الأولى والثالثة والرابعة ، فإن خرج سهم العتق للأولى ، فلا مهر لها بلا خلاف ; لأن عتقها متأخر عن وطئها ، وإن خرج للرابعة ، فكذلك ; لأنه لم يطأها . [ ص: 166 ] وإن خرج للثالثة ، فلها المهر ، لأنا تبينا أنها عتقت قبل وطئها ، ثم يقرع لوطء الثالثة بين الباقيين بسهم عتق ، وسهم رق ، فإن بقيت الثالثة والرابعة ، فلا مهر ، وإن خرجت للثالثة ، فهل لها المهر ؟ فيه الوجهان ، وإن بقيت الأولى والثانية ، فلا مهر لمن خرجت لها القرعة منهما ، لتقدم وطئها على عتقها ، وفيه وجه أنه يقرع بين الأربع دفعة واحدة بثلاثة أسهم عتق ، وسهم رق ، فتعتق ثلاث ، وترق واحدة ، وهذا صحيح لمعرفة الرق والعتق ، ولكن لا يصرف به المهر - وموضع الخلاف فيه والوفاق .

                                                                                                                                                                        ولو وطئ الأربع ، عتقن كلهن ، ونحتاج للمهر إلى الإقراع ثلاث مرات بين الأربع مرة بسهم عتق ، وثلاثة أسهم رق ، ثم مرة بين ثلاث منهن بسهم عتق ، وسهمي رق ، ثم مرة بين الباقيتين بسهم عتق ، وسهم رق ، واستيعاب الاحتمالات يطول . وضابطه أن ينظر في كل قرعة ، فمن بان أنها عتقت قبل وطئها ، فلها المهر ، وفيمن عتقت بوطئها الوجهان .

                                                                                                                                                                        أما إذا قال : كلما وطئت واحدة منكن ، فواحدة من صواحبها حرة ووطئهن ، فإن قلنا : الوطء يعين الملك في الموطوءة ، عتقت الرابعة بوطء الأولى ، والأولى بوطء الثانية ، والثانية بوطء الثالثة ، ورقت الثالثة . وإن قلنا : لا يعين ، عتق ثلاث ، ورقت واحدة ، فيقرع لوطء الأولى بين الثلاث البواقي ، فإن خرجت القرعة للثانية ، عتقت ، ثم يقرع لوطء الثانية بين الأولى والثالثة والرابعة ، فإن خرجت للأولى أو للرابعة ، عتقت . وإذا وطئ الثالثة ، عتقت الباقية من الثلاث وهي الأولى أو الرابعة ، وإن خرجت الثانية للثالثة ، عتقت . فإذا وطئ الثالثة ، عتقت الباقية منهن [ ص: 167 ] وهي الأولى أو الرابعة ، وإن خرجت القرعة الثانية للثالثة ، عتقت ، فإذا وطئ الثالثة ، أقرع بين الأولى والرابعة . وأما المهر ، فلا يجب لمن عتقت بعد الوطء ، ويجب لمن بان عتقها قبله . وفي هذه الصورة لا يعتق الموطوءة بوطئها بحال . واعلم أن الإقراع في جميع هذه الصورة فيما إذا مات قبل البيان ، فأما في حياته ، فيؤمر بالبيان .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية