الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) : قال ابن عباس ، وابن المسيب، وغيرهما: هي منسوخة; ابن عباس : بقوله: (يوصيكم الله في أولادكم) ، الآيات، ابن المسيب : بالميراث، والوصية.

                                                                                                                                                                                                                                      سعيد بن جبير، والحسن ، وغيرهما: هي محكمة على الندب.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد : هو شيء واجب، وحق لازم ما طابت به أنفس الورثة، وقيل:

                                                                                                                                                                                                                                      المعنى: إذا أراد الرجل أن يقسم ماله على ولده وهو حي.

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى (وقولوا لهم قولا معروفا) : ادعوا لهم بخير.

                                                                                                                                                                                                                                      والضمير في (فارزقوهم) ، (واكسوهم) : لأولي القربى، وفي قوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) : لليتامى، والمساكين، [قاله ابن عباس بخلاف عنه، وابن المسيب، وابن زيد]) .

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: الضميران، لأولي القربى، واليتامى، والمساكين.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 192 ] (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا) الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      قيل: نزلت في حض الموصي على الوصية للفقراء قبل أن تفرض المواريث، عن سعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهما، وروي ذلك عن ابن عباس ، وعنه أيضا: هي في ولاة اليتيم، أمروا أن يفعلوا في أموال اليتامى ما كانوا يحبون أن يفعل في أموالهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) : نزلت هذه الآيات بسبب سعد بن الربيع، كان قتل يوم أحد وترك ابنتين وزوجة وأخا، فأخذ أخوه جميع المال، فنزلت الآيات.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: (فإن كن نساء فوق اثنتين) : أجمع العلماء على أن للاثنتين من البنات فما فوقهما إذا لم يكن معهن ابن ذكر، أو ابن ابن: الثلثين، ولم يذكر الابنتين في النص، قال بعض العلماء: أعطيتا الثلثين بدليل النص; لأن البنت [ ص: 193 ] الواحدة لها مع الذكر الثلث، فإذا وجب لها مع الذكر الثلث; كان لها مع الأنثى مثله، واستدل بعضهم بأن حكم الاثنتين كحكم ما زاد عليهما: بالأخوة للأم; أن حكم الاثنتين فما فوقهما فيه سواء، واستدل آخرون: بميراث الأخت الواحدة النصف، كالبنت الواحدة، وميراث الأختين الثلثان، فحمل حكم البنتين عليه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: إن معنى: (فإن كن نساء فوق اثنتين) : [فإن كن نساء اثنتين] فما فوقهما، واستدل بقوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق) [الأنفال: 12]، وإنما تضرب الأعناق .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعضهم: أعطي البنتان الثلثين بالسنة.

                                                                                                                                                                                                                                      ويقوم بنو الابن وبنات الابن مقام ولد الصلب [إذا لم يكن ولد صلب) ، وإذا استكمل بنات الصلب الثلثين; لم يكن لبنات الابن شيء في قول سائر العلماء، إلا أن يكون مع بنات الابن ذكر; فإن كان معهن ذكر، فأكثر العلماء: على أن ما فضل عن بنات الصلب بين بني الابن وبنات الابن ; [ ص: 194 ] للذكر مثل حظ الأنثيين.

                                                                                                                                                                                                                                      وروي عن ابن مسعود : أنه لذكور بني الابن دون بنات الابن، وقد بسطت ذلك في "الكبير".

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) إلى قوله: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) : (الإخوة) في قول سائر العلماء: اثنان فصاعدا، فالاثنان فصاعدا يحجبون الأم عن الثلث، ويردونها إلى السدس، ولا يرث الإخوة مع الأب شيئا، بل يكون ما حجبوا الأم عنه مردودا على الأب، وإنما حجب الاثنان وقد قال: (إخوة) ; لأن الاثنين جماعة، بدليل قوله: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب [ص: 21]، وكانا ملكين، وقول الله تعالى لموسى وهارون: (إنا معكم مستمعون) [الشعراء: 15]، وقوله في داود وسليمان: (وكنا لحكمهم شاهدين) [الأنبياء: 78) ، وذلك كثير.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قال ابن عباس : لا يحجب الأم عن الثلث أقل من ثلاثة إخوة، وميراث الأبوين مع بني الابن كميراثهما مع ولد الصلب، وميراث الجد مذكور في "الكبير"، وكذلك الجدات.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) : قال علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 195 ] وقيل: إن (أو) ههنا: للإباحة، يريد: أن كل واحد من الوصية أو الدين يخرج قبل الميراث، ولو قال: من بعد وصية يوصي بها ودين; لتوهم أن ذلك إنما يجب باجتماعهما، والدين مبدى على الوصايا; إذ لا تصح وصية إلا بعد قضائه، والعلماء مجمعون على أنه ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم ألا يبلغ الثلث.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) : قيل: معناه: أقرب لكم نفعا في الآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                      روي عن بعض المفسرين: أن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة; سأل الله فرفع إليه أباه، وكذلك إن كان الأب أرفع من ابنه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: لا تدرون أنهم أقرب لكم نفعا في الدنيا والآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                      (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      ميراث الزوج والزوجة مع ولد الابن كميراثهما مع ولد الصلب، وميراث ما زاد على الواحدة من الزوجات الربع أو الثمن يشتركن فيه، لا خلاف بين العلماء في ذلك [ ص: 196 ] ويعطى الزوج والزوجة ميراثهما على العول، يلحقهما ما يلحق سائر أهل الفرائض المسماة، هذا قول سائر العلماء سوى ابن عباس ; فإنه قال: يعطيان فرضهما بغير عول.

                                                                                                                                                                                                                                      (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة) : (الكلالة) في قول أكثر العلماء:

                                                                                                                                                                                                                                      ماعدا الولد والوالد، روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر، وعلي، وابن عباس رضي الله عنهم.

                                                                                                                                                                                                                                      طاووس ، عن ابن عباس : الكلالة: ما عدا الولد.

                                                                                                                                                                                                                                      عطاء : الكلالة: المال.

                                                                                                                                                                                                                                      أبو عبيدة: الكلالة: مصدر، من (تكلله النسب) ; إذا أحاط به، والأب والابن طرفان للرجل، فإذا لم يخلفهما; فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين (كلالة) ، كأنه اسم للمصيبة في تكلل النسب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: الكلالة: اسم الموروث الذي لا ولد له ولا والد; لأن كل واحد من الولد والوالد إذا انفرد يحيط بالميراث كله.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: إنما سمي (كلالة) إذا لم يكن له ولد ولا والد; لأن الورثة قد أحاطوا [ ص: 197 ] به، وليس له ولد ولا والد يحوز الميراث.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو مشتق من (الإكليل) ، وأصله: من الإحاطة، ولذلك سمي(الإكليل) ; لأنه يحيط بالرأس.

                                                                                                                                                                                                                                      وأكثر العلماء على أن (الكلالة) ههنا: الإخوة للأم، و (الكلالة) التي في آخر السورة: الإخوة للأب والأم.

                                                                                                                                                                                                                                      الطبري : الصواب: أن الكلالة الذين يرثون الميت: من عدا ولده ووالده; لصحة خبر جابر أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنما يرثني كلالة; فكيف بالميراث؟.

                                                                                                                                                                                                                                      والمراد بقوله: (وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس) : الإخوة للأم في قول سائر العلماء ذكرهم وأنثاهم سواء في الميراث، وهم لا يرثون مع الولد، ولا مع ولد الابن وإن سفلوا، ذكورا كانوا أو إناثا، ولا مع الأب، ولا مع الجد أبي الأب وإن علا، وكذلك الإخوة للأب والأم أو للأب لا يرثون مع [ ص: 198 ] الابن، ولا مع ابن الابن وإن سفل، ولا مع الأب، وهم مع البنات وبنات الابن عصبة، يقتسمون ما فضل; للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذ لم يكن مع الأخوات ذكر; فهن مع البنات عصبة في قول سائر العلماء، سوى شيء شاذ روي عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية