الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها ، وكانت تلك عادته مع نسائه ، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل فخرجت عائشة لحاجتها ، ثم رجعت ، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه ، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها ، فظنوها فيه ، فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته ، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها ، وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته ، ولو كان الذي حمله واحد أو اثنان لم يخف عليهما الحال ، فرجعت عائشة إلى منازلهم ، وقد أصابت العقد ، فإذا ليس بها داع ولا مجيب ، فقعدت في المنزل ، وظنت أنهم سيفقدونها ، فيرجعون في طلبها ، والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء ، فغلبتها عيناها ، فنامت ، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل : ( إنا لله وإنا إليه راجعون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في " صحيح أبي حاتم " . وفي " السنن " : [ ص: 233 ] فلما رآها عرفها ، وكان يراها قبل نزول الحجاب ، فاسترجع ، وأناخ راحلته ، فقربها إليها ، فركبتها وما كلمها كلمة واحدة ، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها ، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته ، وما يليق به ، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا ، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه ، فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ، ويشيعه ويذيعه ، ويجمعه ويفرقه ، وكان أصحابه يتقربون به إليه . فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم ، ثم استشار أصحابه في فراقها ، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا ، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء ، فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس ، فأشار بحسم الداء ، وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك وأعظم منه ، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ، ومنزلته عنده ، ودفاعه عنه أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء ، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا ، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة ، وهي تحت رسوله ، ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله ، وقدره عند الله في قلبه قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك : ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) [ النور : 16 ] .

[ ص: 234 ] وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به ، وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا ، فمن ظن به سبحانه هذا الظن فقد ظن به ظن السوء ، وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى : ( الخبيثات للخبيثين ) [ النور : 26 ] ، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم ، وفرية ظاهرة .

فإن قيل : فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها ، وسأل عنها وبحث واستشار ، وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به ، وهلا قال : ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) كما قاله فضلاء الصحابة ؟

فالجواب : أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها ، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين ، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها ، وتظهر على أكمل الوجوه ، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده ، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها ، وتتم نعمة الله عليهم ، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها ، والافتقار إلى الله والذل له وحسن الظن به والرجاء له ، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ، ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها : قومي إليه ، وقد أنزل الله عليه براءتها ، فقالت : ( والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية