الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( النية للوضوء ككل عبادة ) روي عن أئمة آل البيت ، عليهم السلام ، وعن أشهر علماء الأمصار ، اشتراط النية في الوضوء ; فهو مذهب ربيعة ومالك والشافعي وأحمد والليث وإسحاق بن راهويه ، واستدلوا على فرضيتها بحديث : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه رواه الجماعة كلهم من حديث عمر ، واستدل عليه بعضهم بآية الوضوء نفسها ; لأن ترتيب أعمال الوضوء على القيام إلى الصلاة يدل على أن [ ص: 203 ] هذه الأعمال لأجل الصلاة ، وذلك لا يكون إلا بالنية ، وقد عرف الشافعية النية بأنها قصد الشيء مقترنا بفعله ، واشترطوا لتحققها وصحتها عدة شروط ، وقال البيضاوي : " النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع ، أو دفع ضر حالا أو مآلا ، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ; لابتغاء رضاء الله ، وامتثال حكمه ، ولهم في تعريفها أقوال أخرى ، وهذا أحسن ما رأيناه لهم فيها ; لأنه جامع للمعنى الطبعي ، والمعنى الشرعي .

                          ذلك أن النية نيتان : نية شرعية - وسيأتي معناها - ونية طبيعية ; وهي القصد الذي يتميز به فعل المختار الشاعر بفعله عن فعل المضطر والذاهل الذي تشبه حركته حركة النائم ، وهذا المعنى للنية ضروري في تحقق الفعل الاختياري ; فلا معنى للقول بوجوبه وافتراضه ، وقد يظهر القول بعده شرطا ليخرج به ما يقع للمحدث من غسل أطرافه لنحو الابتراد ، وناهيك إذا غسلها بغير الترتيب المأثور ، فإذا أراد الصلاة بعد ذلك يجب عليه الوضوء لها ; لأن عمله السابق لم يكن امتثالا لما أمر الله به ، وجعله شرطا لها ، وليس هذا هو المراد من النية بالحديث ؛ وإنما المراد المعنى الثاني للنية ، وهو الغرض الباعث على الفعل الاختياري ، وهو ابتغاء مرضاة الله تعالى ، باتباع ما شرعه والإتيان به على الوجه الذي شرعه لأجله ، وهذا هو الإخلاص ، أو يلزم منه الإخلاص ; أي جعل العبادة خالصة من شوائب الرياء والأهواء ، لا غرض منها إلا ما ذكر من التحقق بها على وجهها ، وابتغاء مرضاة الله تعالى فيها . كل من يهاجر يقصد الهجرة قصدا مقترنا بالفعل ، وكل من يتوضأ يقصد الوضوء عند الشروع فيه ، وكل من يصلي يقصد الإتيان بأعمال الصلاة عند الشروع فيها ، وكل من يحرم بالحج يقصد الإتيان بمناسكه ، وما كل من يتلبس بهذه العبادات يقصد بها مرضاة الله تعالى بتحصيل الغرض منها ; كنصر الله ورسوله ، وإقامة دينه بالهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكالتمكن من إقامة الدين ، والاهتداء به بهجرة المسلم في هذا الزمان ، من مكان لا حرية له في دينه فيه ، إلى غيره ، وقل مثل هذا في الوضوء وحكمته ، التي شرع لأجلها ، والصلاة وحكمتها ، والحج وحكمته ، فكما يهاجر بعض الناس لأجل الدين في الظاهر ، ولأجل التجارة ، أو الزواج ، أو غير ذلك من أغراض الدنيا في الباطن ، كذلك يسافر بعض الناس إلى الحج ; لأجل التجارة والكسب ، أو غير ذلك من أغراض الدنيا فقط ، ومنها الرياء والسمعة ، وإذا كان في الناس من يصلي رياء وسمعة ، ومنهم من يصلي لموافقة من يعيش معهم في عاداتهم ، كما يوافقهم في الزي والطعام والشراب ، ففيهم من يصلي ابتغاء مرضاة الله والاستعانة بمناجاته وذكره على تهذيب نفسه ونهيها عن الفحشاء والمنكر ، وكل منهم ينوي النية الطبيعية ؛ وهي قصد أعمال الصلاة عند فعلها ; إذ لا تحصل هذه الصلاة إلا بهذا القصد .

                          [ ص: 204 ] فظهر من هذا أن النية الطبيعية - التي هي قصد الشيء عند فعله - ضرورية ، لا معنى لفرضيتها وعدها من أركان الصلاة ، وأن النية الواجبة في جميع الأعمال المشار إليها في الحديث ، هي النية بالمعنى الآخر الذي شرحناه ، وبه يتحقق الإخلاص الذي هو روح العبادة ، وينتفي الرياء الذي هو شعبة من الشرك ، ومن لا حظ له من هذه النية لا حظ له من عبادة الله تعالى ، وما يأتيه من صورة العبادة لا يقبله الله منه في الآخرة ; لأنه لا تصلح به حاله ، ولا تتزكى به نفسه في الدنيا ، وإن أنكر هذا الجسمانيون الجامدون الذين جعلوا الدين عبارة عن حركات لسانية وبدنية ، لا علاقة لها بالقلب ، ولا فائدة لها في تزكية النفس ، فتراهم من أشد خلق الله تنطعا في ظواهر العبادة ، وأشدهم انسلاخا من روحها وسرها وحكمتها ، وجعلوها حرجا وعسرا ، خلافا لما قاله الله تعالى ، يتنطعون في الطهارة ، وقد علا أجسادهم وثيابهم الوسخ والسناخة ، ويتنطعون في تجويد القراءة وحركات الأعضاء في الصلوات ، ولا ينتهون عن الفواحش والمنكرات .

                          ومن العجائب أنهم جهلوا حقيقة النية المشروعة التي هي من أعمال القلب المحضة ، وابتدعوا كلمات ، يسمونها النية اللفظية ، لم يأذن بها الله ولا رسوله ، ولا عرفت في سنة ، ولا عن أحد من السلف ، وقد غلوا في التنطع بها ، حتى إنهم يؤذون المصلين بأصواتهم ، ومنهم الموسوسون الذين يكررون هذه الأقوال ويرفعون بها أصواتهم : نويت فرائض الوضوء مع سننه ، نويت فرائض الوضوء مع سننه . . . إلخ ! ويفعلون مثل هذا في نية الصلاة عند تكبيرة الإحرام ، وأكثر هؤلاء الموسوسين من الشافعية الذين دقق بعض فقهائهم في فلسفة نيتهم ; فاشترط أن يتصور المصلي جميع أركان الصلاة القولية والعملية عند البدء بها ، وذلك بين النطق بـ ( همزة ) لفظ الجلالة المفتوحة و ( راء ) لفظ ( أكبر ) الساكنة من كلمتي ( الله أكبر ) ليتحقق معنى قصد الشيء مقترنا بفعله ، والمعلوم من الدين بالضرورة أن المطلوب عند كل ذكر ، تصور معناه ، فإذا لا ينبغي للمصلي أن يتصور عند التكبير إلا معنى التكبير ، والأمر لله العلي الكبير .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية